الدراسات المقارنة بين الشريعة والقانون (1 من 2)
نشهد في الفترة الحالية طفرة في الدراسات المقارنة في النواحي التشريعية بين الفقهية والقانونية، وتأتي هذه الدراسة تلبية لاحتياجات سوق العمل والمخرجات الواقعية التي أصبحت تلامس حياة الفرد والمجتمع، خاصة مع النمو الذي نلمسه في الإدارات الحكومية أو في قطاع الأعمال أو في الازدياد السكاني وما ينتج عن ذلك من آثار.
وهذه الدراسات تتنوع بين دراسات مقارنة لمناهج ومذاهب قديمة مع أخرى معاصرة مثل الدراسات القانونية التي تعتني بالقانون الفرنسي القديم ومقارنته بالقانون الفرنسي الجديد، وهناك دراسات تعنى بالمقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون بشتى مذاهبه أو دراسة الفقه الإسلامي مقارنة بقانون معين مثل القانون الفرنسي، ومن الجهات التي تعتني بهذه الدراسات قسم السياسة الشرعية في المعهد العالي للقضاء، خاصة شعبة الأنظمة، حيث حرص القائمون عليه أن تكون الدراسات التخصصية متضمنة المقارنات التشريعية سواء مع الشريعة الإسلامية أم القوانين في شتى مذاهبه وأنواعه. والدراسات المقارنة تحتاج إلى اهتمام في طريقة إعدادها؛ لأنها تعتني بعناصر الاتفاق والاختلاف والأسباب والظروف المحيطة والتطور المرحلي لها، وهذا يجعل الدراسة ليست سهلة كما يتوقعها بعض الدراسيين، بل لا أبالغ إذا قلت إن هذا النوع من الدراسة يعتبر من أصعب قنوات البحث العلمي والإقدام عليه في أبحاث الدراسات العليا يتطلب إلماما دقيقا بالموضوع محل البحث والنواحي الأخرى المراد تحليلها، وكلما كانت قراءة الإنسان في موضوعه متخصصة أكثر ولديه إدراك بالقواعد العامة في الشريعة الإسلامية والقانون كان قادرا على العطاء المتميز، ومن خلال تجربة عملية في مرحلتي الماجستير قديما والدكتوراة حاليا وجدت أن الدراسات المقارنة تسهم في تطوير الدراسات الفقهية، وبالأخص النواحي المتعلقة بالحاجات المتجددة، التي يشترط فيها الاجتهاد الشمولي الملائم لاحتياجات العصر، خاصة فيما يتعلق بالقوانين وتفريعاتها التنظيمية سواء في القطاع الإداري أو التجاري أو الجنائي أو الدولي بكل أبعادها الخاصة والعامة. وتتجلى أهمية الدراسات المقارنة بين الفقه والقانون فيما يلي:
أ - تُيسر المقارنة بين نظامين تشريعيين التعرف على طبيعة كل من النظامين ومصادرهما والعوامل الاجتماعية والاقتصادية التي أسهمت في تكوينهما؛ ذلك أن تشابه هذه الظروف في النظامين المقارن بينهما، ما يجعل نسبة القواعد التشريعية المتشابهة بينهما إلى هذه الظروف هو الغالب، أما عند اختلاف القواعد التشريعية مع تشابه هذه الظروف فيلزم البحث عن عوامل أخلاقية أو اعتقادية أو فنية أو قانونية أنتجت هذا الاختلاف. ولعل هذا الهدف العلمي يكون أهم أهداف الدراسات المقارنة؛ ذلك أن التعرف على طبيعة النظم التشريعية والعوامل المؤثرة في تطورها من شأنه أن يسهم في التعرف على القواعد العامة التي تحكم تطور هذه النظم؛ ما يساعد على تفسير بعض الاختيارات التشريعية في نظام تشريعي أو فقهي معين. وعلى سبيل المثال، فإن مذهب الأحناف في عدم اعتبار المنافع أموالا أمر يتناسب مع التطور الاجتماعي والاقتصادي الذي لا تكتسب فيه المنفعة أو الخدمة أهمية اقتصادية. ويمكن فهم هذه الاستثناءات التي انتهى إليها متأخرو الأحناف في اعتبار بعض المنافع من الأموال (منفعة الصبي - منفعة ماله - منفعة الوقف - منفعة الأموال المعدة للاستغلال) على أساس من التعرف على طبيعة التطور الاجتماعي، واتجاه هذا التطور على إقرار قيمة مالية للمنافع والخدمات. وكذلك فإن إطلاق الحرية الاقتصادية في القرن التاسع عشر ناسب الأخذ في القوانين السائدة آنذاك بإطلاق يد المالك في ملكه ومنع مسؤوليته عما قد يترتب على استعماله حقوق ملكيته من إضرار بالغير. ويمكن تفسير مذهب أبي حنيفة وابن حزم في إطلاق يد المالك في ملكه بالنظر إلى هذا التوجه نفسه بخلاف مذهب جمهور الفقهاء الذي فطن إلى ما قد يترتب من أضرار اجتماعية على إطلاق يد المالك.
ب - من جهة أخرى، فإن بيان أوجه الاتفاق والاختلاف بين النظم القانونية والتشريعية من شأنه أن يلقي الضوء على العلاقات التاريخية بين الشعوب؛ ما يؤكد التواصل بينهما، ويشجع على التقارب والالتقاء بين الأجناس والشعوب، ويساعد على التعرف على ما عند الآخر وفهمه. ولا شك في أن الاعتراف العالمي بمكانة الشريعة الإسلامية بين النظم القانونية العالمية إنما يرجع على اتباع منهج الدراسة المقارنة التي أدت على التعرف على مبادئ هذه الشريعة وتأثيرها في التفكير القانوني الغربي. يقول ديسانتيالانا DESANTILLNA: من الأمور الإيجابية التي اكتسبناها من التشريع العربي - يقصد الإسلامي - هذه الأنظمة القانونية العديدة من مثل الشركات المحدودة المسؤولية (القراض)، وهذه الأساليب المتصلة بالقانون التجاري، وحتى لو نحينا هذا كله جانبا فمما لا شك فيه أن المعايير الخلقية الراقية لجوانب معينة من هذا التشريع قد ساعدت على إحداث التطوير المناسب لكثير من مفاهيمنا الحديثة. وفي هذا تكمن العظمة الدائمة لهذا التشريع.
وينادي المستشار ROBERT H.JACKSON قاضي المحكمة العظمى SUPREME COURT في الولايات المتحدة بضرورة أن يتجه طلاب الدراسات القانونية في الغرب إلى بذل جهد أوفر في الاهتمام بالتشريع الإسلامي؛ نظرا لتزايد العلاقات التجارية والسياسية القائمة بين البلاد الإسلامية والبلاد الغربية. وانتهت محكمة العدل الدولية الدائمة في حكمها الصادر في 23/8/1958 إلى الإشادة بأحكام الشريعة الإسلامية والإشارة إلى أنها أحد الأنظمة القانونية الراقية في العالم الحديث. ومن قبل ذلك انتهى مؤتمر الفقه الإسلامي الذي انعقد في كلية الحقوق جامعة باريس عام 1951 على أن مبادئ الفقه الإسلامي لها قيمة تشريعية لا يمارى فيها، وأن اختلاف المذاهب الفقهية في هذا النظام القانوني العظيم ينطوي على ثروة من المفاهيم الفقهية، وصناعة هي مناط الإعجاب، يتيحان لهذا التشريع الاستجابة لمطالب الحياة الحديثة والتلاؤم مع حاجتها.
وسنكمل الموضوع في المقال القادم - بإذن الله.