هل تنويع الأصول يقلل من المخاطر؟

|
لعقود من الزمن، كانت التقارير الصادرة من الشركات الاستثمارية العالمية وما زالت تقدم تحليلاتها ونصائحها الاستثمارية عن توزيع الأصول إما بحسب نوعية الأصول (أسهم - سندات - نقد)، وإما بحسب التوزيع الجغرافي (أمريكا - أوروبا - اليابان - الدول الناشئة)، بهدف تعظيم العائد الاستثماري للمحافظ الاستثمارية مقارنة بالمعايير المتفق عليها (مثل مورجان ستانلي للأسهم العالمية وغيرها)، حيث كان الاعتقاد سائداً عند شريحة كبيرة من المستثمرين حول العالم أن تنويع الأصول يقلل من المخاطر، وأرى أن هذا الاعتقاد أتى كنتيجة طبيعية لقاعدة الاستثمار التقليدية "لا تضع بيضك في سلة واحدة". بسبب هذا الاعتقاد، كان من الطبيعي أن نرى في هذه التقارير الكثير من النظريات الإحصائية والحسابات الرياضية التي تسعى جاهدة لإثبات أن تنويع الأصول يؤدي دائماً إلى تقليل المخاطر. فمثلا، تضمنت هذه التقارير مؤشرات "البيتا" ومؤشرات الانحراف المعياري ومؤشرات الارتباط ومؤشرات "شارب" ومؤشرات "ترينور" وغيرها من المؤشرات المالية المعقدة، بل إن بروز صناديق التحوط كأحد أهم الأصول الاستثمارية ونجاحها في جذب تريليونات الدولارات من كبار المستثمرين العالميين كان بسبب ميزة الارتباط الصفري لأداء هذه الصناديق مع أداء بقية الأصول الاستثمارية. لكننا عندما نتأمل جيداً في انعكاسات الأزمة الاقتصادية العالمية على الأصول الاستثمارية خلال الفترة من 2008 إلى 2010، سنجد أن تنويع الأصول لم يؤد إلى تقليل المخاطر، كما كان مفترضاً. ونستطيع القول إنه بعد مرور نحو عامين على بدء تلك الأزمة إلا أن أسعار جميع الأصول تقريباً (مثل الأسهم والسندات والسلع والمعادن وغيرها)، وفي جميع المناطق الجغرافية حول العالم لا تزال تتحرك على شكل كتلة واحدة في مسارات هابطة، مما يؤكد لنا فشل الاعتقاد بأن تنويع الأصول يؤدي دائماً إلى تقليل المخاطر، وبالتالي فشل جميع النظريات الإحصائية والحسابات الرياضية التي تسعى إلى قياس المخاطر والتحكم فيها. حتى أكون أكثر دقة، يتركز الاستثناء فقط في أسعار المعادن الثمينة التي لا تزال تحتفظ بمساراتها الصاعدة وهذا طبيعي في ظل قلق المستثمرين من ظهور أزمات مالية جديدة، إلا أن المهم هنا أن القواعد الأساسية للاستثمار (مثل قاعدة البيض والسلة) تغيرت جذرياً مع نشوء الأزمة الاقتصادية العالمية التي تغيرّ معها كثير من المفاهيم الاستثمارية التي كان البعض منا يعتقد ويؤمن بأنها مفاهيم بديهية لأي استثمار ناجح، مما يدل على أننا الآن أمام مرحلة جديدة تستوجب منا دراسة واستيعاب المفاهيم الجديدة للاستثمار الناجح من خلال قواعد جديدة ومختلفة تماماً عن سابقتها، وأرى أن هذه هي المهمة الأصعب التي سنواجهها جميعاً في الأعوام القادمة.
إنشرها