مدن القلاع والحصون
لست من محبي الجلوس أمام شاشة التلفاز ساعات طويلة لمشاهدة ما تعرضه من برامج غثها وسمينها، ولست ممن يملكون ترف الوقت بالنظر إلى كم التزامات العمل والحياة والأسرة، لكنني أجد نفسي أحياناً منجذباً لبعض البرامج، إما لتميز المتحدثين فيها، وإما لأهمية الموضوعات التي تستعرضها، وإما لأتابع شيئاً من أخبار العالم وشؤونه. أحد تلك البرامج التي شدتني قبل فترة قصيرة برنامج حواري على إحدى القنوات الفضائية، كان ضيفه الكاتب السعودي تركي الحمد. ما شدني في هذا البرنامج، الذي لم يسمح لي الوقت بإكماله حتى نهايته, حديث الضيف عن ظاهرة الأسوار في المساكن السعودية, وكيف أنها تعبر عن حالة من الانغلاق المجتمعي والذهني لدى السعوديين. غادرت مجلس التلفاز لأنجز شيئاً من المهام الأسرية المتراكمة, وظل ذهني يعمل في موضوع الحلقة، ووجدتني فيما بعد أفرغ خلاصة تلك العاصفة الذهنية في هذا المقال.
وجدتني بادئ ذي بدء أبحث عن تاريخ بدء تطبيق نموذج الفيلا السكنية في التركيبة العمرانية للمدن السعودية, انطلاقاً من كونه نموذجاً مستحدثاً في ثقافة العمران السعودي. فبحسب ما تعلمناه في مناهج الدراسة في تاريخ العمارة التقليدية في المملكة, فإن المساكن التقليدية في شتى أنحاء المملكة, شمالها وجنوبها وشرقها وغربها, كانت دوماً تبنى دون أسوار, وكانت البنى العمرانية لمدن السعودية بمختلف ثقافاتها, بنى عمرانية مترابطة, تتلاصق بيوتها ومساكنها جنباً إلى جنب, ويتمتع سكانها بروابط اجتماعية قوية. لم يكن أي من تلك المساكن محاطاً بأي أسوار, بل إن الأسوار كانت سمة خالصة وعنصراً خاصاً بالقلاع والحصون, وربما بعض القصور لعلية القوم. وبحسب ما وجدته في بحثي من معلومات, فإن بداية تطبيق نموذج الفيلا السكنية ذات الأسوار كان في أوائل الأحياء السكنية التي شيدتها شركة أرامكو في مدينة الخبر إبان انطلاق أعمالها في التنقيب عن النفط في المنطقة الشرقية. وبعد ذلك, تبنت الجهات المسؤولة عن وضع أنظمة البناء وتشريعاته ذلك النموذج, وعممته على جميع تشريعات بناء المساكن في أنحاء المملكة كافة, وبغض النظر عن الطبيعة الخاصة لكل مدينة, سواء كانت في سهل أو على جبل, أو كانت في صحراء قاحلة أو على واجهة بحرية. والغريب, أن هذه التنظيمات والتشريعات التي أصبحت متأصلة ومتجذرة في الثقافة العمرانية والعقارية السعودية, كانت في بدء تطبيقها محل الرفض والمقاومة, وشهدت أروقة المحاكم ودور القضاء كثيراً من القضايا التي طالبت حينها برد تلك الأنظمة التي فرضت نموذج الفيلا السكنية, ذلك النموذج الذي اعتبره الناس حينها غريباً عنهم ودخيلاً عليهم. وتغير الحال بعدها بالتدريج, حتى أصبح ذلك النموذج هو المطلب الوحيد للباحثين عن السكن. وإن اضطر أي منهم للقبول بغير ذلك النموذج تحت طائلة القدرات والإمكانات فإن الأمل يظل يراوده لتحقيق ذلك الأمل. وأصبح بذلك هذا المفهوم مسيطراً على توجهات التخطيط العمراني وتقسيم الأراضي, سواء منها مخططات المنح البلدية, أو المخططات الخاصة التي يتم تطويرها من قبل الشركات والكيانات العقارية. وجدتني أتساءل بعدها عن أثر هذا الواقع في حياة الناس, وفي مجمل ما نعيشه من إشكالات اجتماعية واقتصادية وأمنية, وفي جودة البنية العمرانية لمدن المملكة. ووجدتني أتفق مع ما ذكره ضيف ذلك البرنامج من تقييم لأثر هذه الظاهرة في الواقع الاجتماعي للمواطنين, وما زرعته تلك الأسوار من فرقة وفقدان للثقة بين الناس, فأصبح الجار لا يعرف عن جاره شيئاً, وانقطعت أواصر الصلة بين سكان الحي الواحد, وسيطر حس الانغلاق والتقوقع على الناس. ووجدتني أيضاً أستعرض أوجهاً أخرى من الآثار السلبية من الجانب الاقتصادي, فصرت أتساءل عن تكلفة بناء تلك الأسوار, والقيمة الاقتصادية والمادية للمساحات المهدرة غير المستخدمة من الارتدادات المحيطة بالوحدات السكنية, والعائد الاقتصادي لهذا العنصر على ملاك الوحدات السكنية. وعندما تذكرت أن تكلفة بناء الأسوار تمثل نحو 5 في المائة في المتوسط من تكلفة البناء المسكن, وتذكرت الأرقام التي تتحدث عن الحاجة إلى بناء مليون وحدة سكنية خلال السنوات الخمس المقبلة, قمت بإجراء عملية حسابية بسيطة, فوجدت أن تكلفة بناء الأسوار فقط لهذا المليون من الوحدات السكنية يمكن أن تقدر بنحو 50 مليار ريال, هذا بخلاف قيمة المساحات المهدرة خلف تلك الأسوار وبين الوحدات السكنية. أرعبني هذا الرقم, وصرت أحسب كم يمكن أن يوظف هذا المبلغ لبناء مزيد من المساكن لسد حاجة الناس بدلاً من هذا الهدر. صرت أتخيل أحياء مدننا بلا أسوار, تماماً كما كانت أحياؤنا في الماضي, أو كما نرى الأحياء السكنية في مدن العالم الأخرى. وأصبح السؤال المسيطر: ألا يمكن أن نحقق خصوصية مجتمعنا إلا بهذا الهدر؟
المشكلة أيضاً ليست في مقدار الهدر الذي يحدثه بناء الأسوار, بل في العائد الذي يحققه على كل المستويات, فنحن في الحقيقة نصرف كثيراً من الأموال في بناء هذه الأسوار التي حولت مدننا إلى مدن قلاع وحصون، وغدت أحياء المدن السعودية أحياء باهتة مملة لا ترى منها إلا تلك الأسوار وقد علتها وزادتها تشويهاً تلك الحواجز المعدنية التي تزيد من تعميق إحساس الفرقة وفقدان الثقة بين السكان. وفي الحقيقة, فإن أوجه الهدر في بناء المساكن في المملكة كثيرة جداً, ولا تقتصر فقط على بناء الأسوار. وأجزم أننا سنتمكن مع بعض المراجعة الحكيمة لأنظمة وتشريعات البناء من جهة, ووسائل وتقنيات البناء من جهة أخرى, من تحقيق وفر كبير في تكاليف بناء الوحدات السكنية, علاوة على الارتقاء بمستويات الجودة فيها. وفي الوقت الذي يتحدث فيه الجميع عن الحاجة إلى تبني مفهوم المسكن الميسر في البناء, إلا أن أحداً لم يضع بعد تعريفاً لهذا المسكن الميسر, أو آلية لتحقيق هذا التيسير. وفي رأيي, فإن تحقيق مفهوم التيسير في المساكن لن يتحقق إلا بمقاربة شاملة لكل الآليات والتشريعات والأنظمة المعمول بها في المملكة, سواء ما كان منها متعلقاً بالأراضي وتطويرها وتداولها, أو بالبناء وأنظمته وتقنياته, أو بمنظومة الخدمات المرتبطة بهذه الصناعة من تسويق وصيانة وغير ذلك.