قمة سرت ومصير عملية السلام
أشارت كلمات الوفود في قمة سرت العربية إلى أن عملية السلام لم تعد ممكنة، لأن إسرائيل قد جففت مصادر الأمل في أي سلام حقيقي مع العرب، وأن العملية أصبحت توظف لمصلحة إسرائيل لأنها ليست مستعدة للتفاوض على أساس ومرجعية تؤدي في النهاية إلى تسوية. ولكن اللافت للنظر حقاً هو موقف الأمين العام للجامعة من عملية السلام نفسها، فقد اعترف في كلمته بأن العرب فهموا الأمور بحسن نية وأن إسرائيل استغلت هذه العملية لتحقيق التوسع والتهويد، وأن إسرائيل هي المسؤولة عما آلت إليه هذه العملية من جمود. ونبه الأمين العام إلى ضرورة البحث عن بدائل لاحتمال انتهاء عملية السلام. وقد سبق للأمين العام أن أطلق أوصافاً على عملية السلام منها أن العملية قد ماتت ودفنت، وأن العملية تحتضر، وأن العملية في الرمق الأخير، وكلها تعبر عن حالة من اليأس من جدوى هذه العملية. ولكن الأمين العام هذه المرة نبه إلى التحسب لاحتمال موت عملية السلام وهو يفكر في أن البديل هو المواجهة الشاملة مع إسرائيل، على أساس أن عملية السلام هي التفاوض بين الفلسطينيين ومعهم العرب أحياناً وإسرائيل على الطرف الآخر. وعندما بحثت القمة مصير عملية السلام، لم تحدد موقفاً حول ما إذا كانت مستمرة أم أنها انتهت، وقد يفهم البعض بمنطق الأمين العام أن العملية انتهت وأن البدائل هي ما ورد في بيان سرت وهى اللجوء إلى محكمة العدل الدولية ومجلس الأمن والجمعية العامة، بل إن الأمين العام وهو يستشعر المأزق العربي استغاث بالدول المجاورة، وهى إيران وتركيا وبعض الدول الإفريقية لكي تشد أزر العالم العربي، ولكن القمة تريثت في بحث هذا المقترح لقمة لاحقة. وقد أحسنت القمة بعدم إثارة الجدل كالذي ثار في قمة الكويت حول المبادرة العربية وأحالت الأمر إلى اللجنة الوزارية للمبادرة، ولكن القمة وضعت لهذه اللجنة سقفاً وأعادت إليها موقفها السابق بمقر الجامعة العربية بالقاهرة، حين وافقت على أن يجري أبو مازن مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل لمدة أربعة أشهر يتم بعدها تقييم الموقف، ولكن انقضاض إسرائيل على القدس والأقصى دفع أبو مازن إلى العزوف عن استخدام هذا التفويض وحسمت القمة هذا الأمر بأنه لا تفاوض مع استمرار الاستيطان مهما كانت الضغوط فالقمة إذن لم تحدد مصير عملية السلام ولكنها أوردت ما أسمته عدداً من الخيارات مما قد يظن أنها بدائل ولكن الحقيقة هي أن عملية السلام بمعنى التفاوض تظل هي المسرح الطبيعي للتوصل إلى تسوية وهو مسرح دائم، ولكن الطرف العربي يجب أن يتسلح بعدد كاف من الأوراق حتى يقوى موقفه على هذا المسرح وأن يصل في هذه الأوراق إلى آخر المدى ولكن يظل مسرح العملية السياسية قائماً، لأن الصراع سيظل قائماً وقد يتخذ الصراع أشكالاً عسكرية أو قانونية أو دبلوماسية أو اقتصادية أو تجارية، وأن التسوية لا تنهي الصراع، تماما كما الصراع بين الصين والولايات المتحدة أو روسيا والولايات المتحدة، إذ يمكن تسوية بعض القضايا لكن يظل الصراع على الأدوار وساحات النفوذ قائماً ما استمرت الدولة الكبرى على حالها.