الشراء بالعيون .. خيار المستهلك وتحدي التاجر
تابعنا عبر المسلسلات الطريقة التقليدية في خطب ود إحدى الفتيات خصوصا إذا تزايدت الأخبار عن جمالها وقدراتها المطبخية ومواهبها العديدة في الحياكة وإدارة شؤون المنزل إضافة إلى سمعة عائلتها. وكلما كثرت الأخبار تسابقت العيل في طرق باب الفتاة قد تكون الأخبار والإعلانات مبالغ فيها سلبا او إيجابا, وحتى يقطع سيف اليقين دابر الشك يكون الاختبار الأهم ما يعرف بمصطلح زيارة المعاينة, والتي يقوم بها وفد نسائي يتألف من صاحبات العلاقة المباشرة مثل الأم أي الحماة المستقبلية والأخت الكبرى إضافة إلى أخريات من صاحبات الخبرة مثل الخاطبة إلى نسوة يتبعن للطرف الخاطب زيارة المعاينة هي الزيارة الاولى والتي عادة مايكون لها الأثر الكبير في الوصول إلى اتفاق من عدمه، فالزيارة تسير ضمن أجندة عمل واضحة, الاجندة تتضمن مراقبة كل الدلالات المكانية والتصرفات البشرية و يبدأ تسجيل النقاط من معاينة نظافة عتبة الباب والاستجابة السريعة في فتح الباب ومقدار الترحاب وطريقة تقديم الضيافة إلى التاكد من المواصفات الجمالية وصولا إلى كيفية التوديع على الباب.
الوفد الخاطب جاء بناء على معلومات سابقة وجاء للتأكد بالتجريب و بالصوت والصورة من موافقة هذه المواصفات للإعلانات التي يتم تداولها حول الفتاة وعائلتها من أنها فعلا بنت ناس وعائلتها أحسنت تربيتها، وأنها ستجلب الراحة والسعادة للبيت الذي ستدخله في المستقبل. وقد سمعت كثيرا من الناس يصفون شركة معينة مفضلة على انها « بنت ناس « أي أنها نادرا ماخذلت زبائنها فيما يمكن أن يتوقعوه منها، إذ من بين مفاتيح عالم التجارة أن يكون المنتج ملبيا لتوقعات الناس، وهذا التوقع هو الشيء الذي خلقته الشركة بنفسها في ذهن العميل من خلال ما تقوله عن طريق إعلاناتها وأخبارها والمنتج هو المحك الملموس لقياس صدق الشركة فيما تقوله. ونسمع الكثير من شكاوى البشر حول خياراتهم السوقية عندما صدقوا ما كان بعض المصنعين وأصحاب المنتجات يعلنونه عن منتجاتهم وبعد التجربة تحولت عملية الشراء إلى خيبة أمل كبيرة .
وباعتبار أن هذا الوقت عصيب على الجميع فلدى أصحاب الأعمال الكثير من الجهد للحفاظ على زبونهم وأن يحاولوا أن يخاطبوه بلغة جديدة، حيث يبدو أن الناس ملت الأسطوانة المشروخة من أفعال التفضيل والتضخيم وصور الأبطال الذين يعدونك بأن حياتك ستكون أفضل وأن لديهم الحلول لكل المشكلات وغاب عن ذهن الكثيرين من مديري الأعمال والتجار أن معظم الناس يسعون في خيارات شرائهم المختلفة الى مايجعلهم يشعرون بالراحة وبالثقة وليس بالندم على دفع فلوسهم في تلك البضاعة أو المطعم أو شركة الطيران أو غيرها.
الناس تريد أن تكون هي نفسها الأبطال ولا يهمها أن شركة تعلن أنها تحلق بعيدا او هي رائدة في هذا المجال وتذهب حيث لايجرؤ الآخرون. الزبون يهتم أن يكون هو نفسه موجودا في الإطار وبين السطور وليس فقط التكلم مع جيوبه أو محفظته، فالعالم سابقا حكمته معادلات الرخاء والمشاريع العملاقة لكننا اليوم في عالم مختلف الأزمة أطاحت بالكثيرين من عمالقة المال والأعمال و الرموز الصناعية، وهذا العالم يعيد ترتيب الأوراق و الأبطال.
اليوم تفتتت أدوار البطولة لتجمع الكثيرين لا أن تكون الأمور كما في السابق من نصيب نخبة معينة من الأشخاص، وأصبح من غير المقبول أن تستخدم الشركات اللغة الخشبية السابقة نفسها التي تتحدث عن إنجازاتها فقط.
أذكر في هذا السياق بين 2006 و2007 وفي استعراضي لتقارير النتائج للكثير من الشركات كانت نسب النمو هي الرقم الأهم الذي يبرز في العنوان، بينما كانت مقدمات البيانات تتجه لأن تكون عبارة عن استعراضات كلامية لا يحتاج إليها البيان، لأن التقرير هو معد لقراءة الأرقام الحالية ومقارنتها بالأرقام السابقة وحتى أنه يتوجب على الشركة أن تتوخى الحذر عندما تقوم بوصف ما قامت به فقط دون أي دلالات حسابية. وعادة ما يأتي التبرير مقتضبا مثل إننا نرى فرصا واعدة في تلك السوق بسبب عدد السكان, أو قلة الخدمات المقدمة في قطاع ما, أو رخص اليد العاملة في بلد ما, أو توافر الموارد الأولية، مع إغفالها لجزء كبير من الصورة مثل معدلات دخل الفرد وقوانين العمل و الوضع الأمني والسياسي ومرونة القوانين الاقتصادية في بلد ما. هذا عدا عن مستويات الاقتراض المهولة وبأرقام فلكية ويأتي التبرير أقصر من حجم الرقم «بأننا نحتاج إلى المبلغ لتمويل أعمالنا وتوسعاتنا» وعلى الأسواق و المساهمين ان يكتفوا بهذا التعليق وألا يصدعوا رأسهم أكثر. لكن الأمور تغيرت وفيما يتعلق بقراءة النتائج عليك أن تنتظر أحيانا حتى السطر الأخير لتقف عند الرقم وتجري حساباتك بنفسك للمقارنة بالسنة السابقة ونقرأ في تبريرات الشركات نفسها إن كان لخسائرها أو تراجع أرباحها بأنها «جزء من هذا العالم الذي يمر بازمة و هذا بالطبع ما اثر وتيرة الأرباح». وهذا مقبول جدا والجميع وضع هذه النتائج ضمن توقعاته لكن ان تعود وتشاهد التكرار السابق نفسه للتذكير بدورها الريادي وبأن أعمالها وتوسعاتها كانت مثار فخر على مدار سنين عديدة وعندما تنجح في تخطي تلك المآثر وتصل للرقم الذي تبحث عنه تجده في نهاية التقرير يقف لوحده من دون أي أرقام مقارنة. من بين التعليقات اللافتة في سؤال عما مايحتاج إليها البشر للتواكب مع الأوضاع الحالية, جاءت الإجابة على لسان أحد أساتذة اللغة الإنجليزية في كامبريدج حيث قال إن ما يراه إن جزءا كبيرا من الأزمة يكمن في اللغة وأسلوب المخاطبة بين المشتري والبائع ولخص نظريته بأن :الناس لاتفضل من يتكلم عنها بل من يتكلم معها إنهم يسمعون بأعينهم أيضا .