الشيخ القرني والدعوة إلى ترشيد الخلاف الطائفي (2 من 2)

تعد التعددية حالة متقدمة في مسيرة تطور الشعوب والأمم, فالمجتمع أو الأمة التي تعيش التعدد هي اليوم أكثر حركة ونشاطا من غيرها, وهي أكثر قدرة على تشخيص مشكلاتها وتصحيح مسارها وبناء مستقبلها. لا خلاف على أهمية التعدد المذهبي لاستيعاب مفردات الحياة وخصوصيات المكان ومتغيرات الزمان وتبدل الأحوال, وليس بمقدور الفرد والجماعة مهما أوتي ذلك الفرد أو تلك الجماعة من سعة في العلم والفهم أو قدرة في التفكير أن يقرأ هذا الدين في إطار كل هذه المفردات والخصوصيات والمتغيرات والتبدلات. التعدد المذهبي طالما تحرك في المساحة الحرة, أو لنسمها المساحة الإنسانية في دائرة الدين, فإن هذا التعدد هو إثراء للحالة الدينية في المجتمع. لكن هذا مع الأسف لا يعبر عن واقع التعددية المذهبية في مجتمعاتنا الإسلامية, فالتعدد عندنا أنتج حالة حادة من الاستقطاب الديني والاجتماعي, وأدى هذا الاستقطاب والاحتقان الطائفي إلى دخول بعض هذه المجتمعات في دورات من الفتن والكوارث الاجتماعية والحروب الطائفية العبثية. إنها تعددية استطاعت أن تنقلب بحب المسلم لأخيه المسلم الذي هو من الدين إلى بغض وكراهية شديدة ورغبة في الإسقاط والتخلص من هذا المسلم المختلف عنه مذهبيا. وعندما تعيش المذاهب أجواء الكراهية والبغض لبعضها نكون قد دخلنا في مرحلة إعادة إنتاج أفكارنا ورؤانا وقيمنا حتى مبادئنا ومعتقداتنا في إطار هذه الأجواء. هذه الأجواء المذهبية الضاغطة أخذت تضيق مساحة الحرية التي ينبغي أن يعيشها الإنسان المسلم في دائرة تدينه وفي حركته الاجتماعية, فالواحد منا كفرد صار ملزما بأن يعيش في طرف وهذه الأطراف لا تعيش التواصل والانفتاح على بعضها بل تعيش حالة فصال إن لم تكن مواجهة في كثير من تفاصيل حياتها, وعندئذ يصبح الإنسان الذي يريد أن يمارس حريته وأن يتحرر من الإملاءات والضغوط المذهبية غير المتسقة مع متطلبات تطوير الواقع الإسلامي عموما, يصبح هذا الإنسان متمردا وربما مرتدا وخائنا في مرحلة لاحقة. إنها تعددية باتت تزداد تورما بحيث صار المذهب هو الدين وصارت الطائفة هي الوطن.
إن كلمة وفاق أو توافق التي وردت في دعوة الشيخ القرني تثير عدة مسائل, فالتوافق والوفاق باتا حالتين مغيبتين في وعي المجتمعات الإسلامية, وفي ظل هذا الغياب التام للتوافق الاجتماعي اتسعت المساحات التي استنبتنا فيها أقسى أشكال الإقصاء والإلغاء والتهميش والعنف ضد الآخر, كل هذه الممارسات مارسناها بتوجيه وتحت سلطة ذات مقدسة أنتجتها الثقافة المذهبية في داخلنا, ففي رحاب هذه الكلمة, كلمة وفاق, نستطيع أن نستنطق هذه الكلمة بما تعود به من إيجابيات في حضورها أو من سلبيات في غيابها. وبما أننا لسنا في مقام ذكر وبحث كل هذه الأمور فإننا سنكتفي بذكر بعضها وبما يدعم ما ترتئيه هذه الدعوة للتأسيس إلى حالة من التوافق بين المذاهب الإسلامية.
1 - انتشال المجتمع من هذا الانغماس في ثقافة الكراهية, لقد جنت علينا هذه الثقافة حتى صرنا كارهين للآخرين مكروهين لديهم, نكتب لننظر لكراهيتنا, ونبحث لنعمق من كراهيتنا, ونخطب لنوسع من دائرتها في نفوسنا. نحن نعلم أن الأفكار والآراء والقيم حتى العقائد كلها تتحرك في فضاء الثقافة العامة للمجتمع, وعندما تتمذهب ثقافتنا وبشكل مرضي, وبما يسمح للبغض أن يتسرب وللكراهية أن تتغلغل إلى داخل ثقافتنا فعنده لا ضمان من أن تنحرف الأفكار عن مسارها الإيجابي, وأن تتشتت الآراء وتشوه العقائد, وأن تهتز القيم عن مكانها الصحيح.
2 - الحفاظ على المشترك وتحرير المساحات المشتركة من قيود وأطر التمذهب التي تريد إلغاء كل ما هو خارج همومها وأحلامها وخصوصياتها وما قد تتوهمه من أحقية وجودها وحضورها النافي للآخر. لقد استطاعت حالة التمذهب الطاغية في مجتمعاتنا أن تحجم كل ما هو مشترك بيننا, وبانعدام هذا المشترك صرنا نعيش في جزر اجتماعية منعزلة عن بعضها, حتى الوطن أريد له أن يتراجع في مراتب وعينا وباتت المواطنة مفهوما يشعر بالغربة والضعف في فكرنا وممارساتنا. علينا فعلا أن نستعيد مشتركاتنا من سلطة واستبداد هذه الثقافة المذهبية لأن عدم تحريرها يعني انتقاصا لقدر كبير من إرادتنا وتعطيلا لكثير من قدراتنا على النهوض بأنفسنا والانفكاك من حالة التخلف التي نعيشها.
3 - إنقاذ التدين من حالة الانغلاق والاستغراق في دوائر تبحث فيها الإشكاليات نفسها وتتراكم فيها المشكلات نفسها وتهضم فيها المفاهيم نفسها. إننا في حاجة إلى جعل التدين حالة منفتحة على النقد وقابلة للتواصل والتفاعل مع المحيط, وما يحويه هذا المحيط من تنوع وتعدد وتباين وتقابل, تدين يعيش التجدد في حدود ما تأتي به الحياة من مستجدات معرفية وتنظيمية واجتماعية, ومن دون قطيعة مع تراثنا القابل للحياة, ولا ابتعاد عن استحقاقات المستقبل الذي سيجعل من المعرفة قوة قادرة على أن تزيح من طريقها ما قد يتصوره الإنسان من حواجز وأسوار يريد أن يحتمي بها.
4 - إتاحة الفرصة للمجتمع لتوظيف قدراته واستثمار موارده وإمكاناته. يعتقد كثير من المنشغلين بالشأن الاجتماعي أن رأس المال الاجتماعي بات له الدور الأكبر في تنمية المجتمعات تنمية مستدامة وشاملة. ورأس المال الاجتماعي ينمو ويزداد في إطار حركة العلاقات والتفاعلات الممكنة بين مكونات المجتمع, فإن هذه الخلافات المذهبية إن لم يتم ضبطها وترشيدها في إطار من التوافقات والمشتركات العامة فإنها ستلحق الضرر بالعلاقات الاجتماعية وسيخسر المجتمع بسببها أعظم وأنفع شكل من أشكال رأس المال للنهوض بنفسه. ولعلنا بتوعية مجتمعاتنا بأهمية ودور رأس المال الاجتماعي في عملية التنمية وما قد يخسره المجتمع من منافع وعوائد من عدم توظيفه بسبب ما قد تعيشه هذه المجتمعات من احتقان وتوترات مذهبية, يساعد على نجاح تلك الجهود التي يسعى إليها البعض من أجل دفع المجتمع إلى تحقيق حالة من التوافق المذهبي. إن من أهم العوامل التي تساعد على إيجاد البيئة الأفضل للتوظيف الأحسن للرأسمال الاجتماعي هو المجتمع المفتوح بعضه على بعض لأن مثل هذا الانفتاح هو الذي يضمن المناخ السليم لوجود ونمو النظم والعلاقات التي تتشكل في رحمها التفاعلات الاجتماعية.
مرة أخرى نردد ما قاله الشيخ القرني من أن الوفاق الطائفي المطلوب لا يعني أبدا المحاولة لإلغاء الطوائف وتذويبها في مكون مذهبي واحد, ليس المطلوب إلغاءها وليس المطلوب أيضا إبقاءها بما هي عليه من توترات واحتقانات على حساب وحدة المجتمع. المطلوب هو التواطؤ على وفاق يحفظ لنا مشتركاتنا ويمنع على الجميع المساس بالرموز والمقدسات, ويحرر نفوسنا من كل العقد النفسية التي تراكمت عبر أزمان طويلة والتي أعاقت إيجاد أجواء إيجابية للحوار والتواصل بيننا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي