الترجمة العلمية المواكبة ضرورة للتحول إلى اقتصاد المعرفة

|
استكمالا لموضوع اللغة الذي طرحته الأسبوع قبل الماضي وتطرقت خلاله إلى ثلاثة عناصر هي: أهمية التقنية اللغوية ودورها في حماية الهوية، وأهمية توطين لغة المال والأعمال، وإحلال اللغة القومية محل اللغات الأجنبية في التعليم، أستكمل اليوم عناصر الموضوع لتكتمل الصورة أمام القارئ الكريم. تنظيم الترجمة بين اللغة القومية وبين اللغات الأخرى وبالعكس الترجمة رافقت البشرية منذ افترقت البشرية إلى شعوب وقبائل ذات لغات مختلفة. ولم تحدث نهضة حضارية وعلمية لدى شعب من الشعوب إلا وسبقته حركة ترجمة إلى لغة ذلك الشعب من جميع الحضارات التي سبقته أو عاصرته ولم تستمر حركة النهوض الحضاري لدى شعب توقف عن الترجمة المواكبة لنقل الجديد من المعرفة في كل ميدان إلى لغته وشواهد التاريخ قديمها وحديثها تشهد بذلك. ولم تعد الترجمة في هذا العصر شأنا هامشيا يترك للمبادرات الفردية أو لاجتهادات المترجمين أو طمع دور النشر التجارية بل أصبح نشاطا استراتيجيا تقام لتنظيمه ورعايته والتخطيط له مؤسسات حكومية ضخمة في أكثر الدول تقدما علميا وتقنيا واقتصاديا. إن تنمية واقتصاديات الدول في العصر الحديث تعتمد على العلوم والتقنية ولهذا السبب اكتسبت الترجمة العلمية والتقنية المواكبة والسريعة والمنظمة أهمية استراتيجية في كثير من الدول التي تحرص على تقدمها الاقتصادي والعلمي والتقني. إن أحرص الدول على الترجمة ومتابعة كل جديد في العلوم والتقنية هي أكثر الدول تقدما علميا وتقنيا واقتصاديا وأقل الدول حرصا على الترجمة ومتابعة كل جديد في العلوم والتقنية هي أكثر الدول تخلفا علميا وتقنيا واقتصاديا. وحيث إن دور الترجمة في العصر الحديث والتخطيط لتنظيم هذا الدور لابد أن يكون من مهام الدول وليس الأفراد لأهميته ومصيريته للتقدم العلمي والاقتصادي والتنموي والثقافي والسياسي. وعلى الرغم مما نصت عليه المادة السابعة من المعاهدة الثقافية لجامعة الدول العربية عام 1946م “رغبة في مسايرة الحركة الفكرية العالمية تعمل دول الجامعة العربية على تنشيط التي تبذل لترجمة عيون الكتب الأجنبية القديمة والحديثة وتنظيم تلك الجهود إلا أن إنجاز الدول العربية في ميدان تنظيم الترجمة ورعايتها يبعث على الإحباط فلم تقم في أي دولة من الدول العربية أو في جامعة الدول العربية أية جهة تقوم بتنظيم الترجمة إلى اللغة العربية من اللغات الأخرى سواء على المستوى القطري أو على المستوى القومي بل ترك نشاط الترجمة من جميع اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية أو من اللغة العربية إلى اللغات الأجنبية الأخرى إلى المصادفات والاجتهادات الفردية. لقد كشفت لنا آخر الإحصائيات الببليوجرافية الصادرة ضمن تقارير التنمية البشرية وآخرها عام 2007م وغيرها من تقارير اليونسكو عن ضآلة نشاط العالم العربي في الترجمة كما كشفت الإحصائيات ذاتها عن ندرة الكتاب العلمي والتقني من الضئيل الذي تمت ترجمته وبُعد أغلب ما تُرجم عن خدمة أهداف التنمية والاقتصاد العربي بل ضرره على المجتمع العربي وخدمة أهداف أعدائه. إن ما يترجم في العالم العربي في عام لا يتجاوز 300 كتاب أي كتاب لكل مليون شخص عربي، بينما يكون العدد 500 كتاب لكل مليون شخص في الدول المتقدمة وما ُترجم في كل العالم العربي في عام لا يتجاوز خمس ما ترجمته اليونان لوحدها في عام. إن حاجة التنمية في الدول العربية عموما وفقر المكتبة العلمية العربية وحاجة التعليم العالي العلمي للكتب العلمية التدريسية والمرجعية لا يمكن أن تسد في البداية إلا عن طريق الترجمة المنظمة التي يرسم لها سياسة لما يترجم وتوضع لها أولويات في التنفيذ والتمويل. إن كل مؤشرات النشر وببليوجرافيا ما يترجم وتقارير التنمية البشرية العربية على مدى سنوات تشير إلى قلة ما يترجم إلى اللغة العربية من الكتب العلمية وعلى قلة ما يترجم فإن 70 إلى 80 في المائة منه لا يمثل أولوية تنموية أو اقتصادية أو ثقافية للأمة العربية. توحيد المصطلحات العلمية والتقنية والحضارية والالتزام باستعمالها في بيئة اللغة الوطنية أو القومية من سمات هذا العصر اللغوية تعاظم دور وأهمية المصطلحات في جميع اللغات وكثرتها إلى الحد الذي زادت المصطلحات على مفردات أية لغة منفردة. ولأهمية المصطلحات لجميع الدول باختلاف لغاتها، خصصت الدول والمنظمات الدولية، على اختلاف تخصصاتها، مؤسسات لغوية وبنوكا ومكانز مصطلحات ورعت تلك الدول والمنظمات الدولية هذه البنوك المصطلحية لأهمية عملها في تيسير وشيوع التفاهم بين دول العالم والمنظمات الدولية في الاتفاقيات والمعاهدات والعلاقات السياسية والاقتصادية ولغة البحوث العلمية. لقد أصبح أحد أبرز التطبيقات التخطيط اللغوي في العصر الحديث وهو صياغة المصطلحات في جميع الميادين اللغوية والالتزام باستعمالها في بيئة اللغة الوطنية أو القومية لتسهيل التفاهم والتواصل بين المتحدثين باللغة الوطنية أو القومية فيما بينهم والتفاهم مع المتحدثين بلغات أخرى عند الترجمة. لقد حظي هذا الجانب من التخطيط اللغوي بجهد مشكور من مجامع اللغة العربية ومكتب تنسيق التعريب بالرباط والمنظمة العربية للمواصفات والمقاييس، والاتحادات العلمية والمهنية العربية المتخصصة. لقد صدرت القواميس المتخصصة في أغلب إن لم يكن كل مجالات العلوم والتخصصات العلمية والمهنية كما أسست بنوك المصطلحات المغربي لكسار والسعودي باسم والعربي فارابي. كما ارتبط مكتب تنسيق التعريب بعلاقات تبادل منافع المصطلحات مع المؤسسات والمنظمات الدولية المماثلة مثل المنظمة العالمية للتقييس Iso في جنيف، ومركز المعلومات الدولي للمصطلحات Info term في فينا، واتحاد المترجمين الدوليينFit ، وارسو وشركة سيمنز في ألمانيا، والجمعية العالمية لوضع المصطلحات Termia، ووكالة الرابط الدولي في روما، وجمعية الجامعات في باريس، والبنك الإقليمي للكلمات في كندا وغيرها. لقد أحبطت كل هذه الجهود المصطلحية بسبب عدم الالتزام بالتعريب وعدم وجود جهة تنظيم الترجمة على المستوى القطري أو القومي العربي. لقد أفلست بنوك المصطلحات العربية لقلة الزبائن. إن زبائن تلك البنوك المصطلحية هم العرب في لغة صحافتهم، وبحوثهم ومؤلفاتهم العربية، ولغة تدريسهم وعقود شركاتهم ومعاهداتهم أو في حديثهم بلغتهم فيما بينهم أو في ترجماتهم من اللغات الأخرى إلى العربية أو العكس. إن ما أصاب هذا التخطيط اللغوي في صياغة وخزن المصطلحات أحبطه عدم الاستعمال وعدم الإلزام بالمصطلح العربي بعد أن تمت صياغته وتيسير تداوله ورقيا وحاسوبيا. نشر اللغة الوطنية أو القومية في دول العالم أكثر من مارس هذا التخطيط اللغوي الدول ذات الطموحات الاستعمارية السابقة والتي أصبحت دول المركز في العولمة المعاصرة. واللغتان الأوسع انتشارا بموجب هذا التخطيط اللغوي هما الإنجليزية والفرنسية. إن برامج نشر اللغة الفرنسية من خلال روابط الفرانكفونية تصرف عليها فرنسا بسخاء وتوفر المعلمين ومناهج التدريس والبعثات إلى فرنسا لدراسة اللغة الفرنسية وتحتسب خدمة الفرنسي في تدريس اللغة الفرنسية خارج فرنسا بديلا للخدمة العسكرية الإلزامية في الجيش الفرنسي. كما تدعم النشر باللغة الفرنسية في خارج فرنسا وتدعم فتح المدارس الفرنسية والتبشيرية التي تستعمل اللغة الفرنسية خارج فرنسا. أما اللغة الإنجليزية فترعى انتشارها في العالم كل من الولايات المتحدة وبريطانيا. وقد تنوعت وسائل نشر اللغة الإنجليزية في العالم من قبل هاتين الدولتين من خلال استقطاب البعثات الدراسية للجامعات البريطانية والأمريكية ولمعاهد اللغة الإنجليزية في بريطانيا والولايات المتحدة ودعم فتح المدارس الأمريكية والبريطانية في دول العالم وتوفير المناهج والكتب والضغط على الدول الأخرى لفتح فروع للجامعات البريطانية والأمريكية وإيفاد معلمي اللغة الإنجليزية بمهام مزدوجة للتدريس والتجسس والتبشير. إن مساعي هاتين الدولتين لنشر اللغة الإنجليزية حوّل تدريس اللغة الإنجليزية إلى صناعة قائمة بذاتها تدر عائدات على اقتصادات تلك الدول حتى أصبح معلم اللغة الإنجليزية البريطاني أو الأمريكي من أندر المتخصصين وأعلاهم راتباً على مستوى العالم. وفي مجال نشر اللغة الإنجليزية ودورها في نشر الثقافة الأمريكية والمصالح الأمريكية يقول أحد المخططين لهذا الجانب لقد استبدلنا شحنات الأسلحة والجنود التي نرسلها إلى دول العالم بتكاليف باهظة بشحنات من معلمي اللغة الإنجليزية الذين يتقاضون أعلى المرتبات من دول العالم وينشرون لغتنا وثقافتنا في دول يصبح قادتها الناطقين بلغتنا والمتشربين لثقافتنا خير من يرعى مصالحنا التي اتحدت مع مصالح هؤلاء القادة بعد أن تبنوا لغتنا وثقافتنا في بلدانهم. أما حظ العرب من هذا التخطيط اللغوي وهو نشر اللغة العربية في دول العالم فمخجل. فمع أن العرب هجروا لغتهم في معاهدهم وجامعاتهم ولغة بعض دولهم وفي مجالات المال والأعمال في جميع دولهم إلا أن المسلمين في أنحاء العالم عامة وفي العالم الإسلامي خاصة يتشوقون لتعلم اللغة العربية لغة دينهم وعباداتهم اليومية. إن ما يعوق نشر اللغة العربية في العالم عامة والإسلامي خاصة هو تقصير العرب عن توفير الدعم لهذا الجانب الذي لن يمر وقت طويل على دعمه حتى يتحول إلى رابط روحي وثقافي واقتصادي بين الدول الإسلامية والدول العربية. إن نشر اللغة العربية واجب مقدس على العرب لأنها لغة القرآن الذي لا يفهم الإسلام وأحكامه إلا بها وواجب الأخوة الإسلامية يوجب على الدول العربية توفير معلمي اللغة العربية لأبناء المسلمين في العالم الإسلامي. ولو تعلم اللغة العربية مليار ونصف المليار مسلم لأصبحت اللغة الأولى في العالم من حيث عدد المتحدثين بها. إن ثراء اللغة العربية وإرثها الحضاري الهائل وتعلق المسلمين بتعلمها ودخولها كأحد لغات الإنترنت وما وفرته تقنية الاتصالات والمعلومات من وسائل ومعينات لتعليمها كلها عوامل تساعد على نجاح نشر اللغة العربية في العالم ولكن هل يفعلها العرب؟! تعليم اللغات الأجنبية في بيئة اللغة الوطنية أو القومية إن ظروف هذا العصر بما حمله من تشابك العلاقات الاقتصادية والسياسية وتقدم وسائل الاتصال والمواصلات جعل تدريس لغة أجنبية واحدة على الأقل ضرورة حياتية تواصلية. ولقد استغلت دول المركز في العولمة اللغوية المعاصرة هذه الحاجة للدفع بتدريس لغاتها الإنجليزية والفرنسية ودعمها ماديا ومعنويا إلى الحد الذي همش اللغات الأم في بلدانها وبين شعوبها. ولقد اختلف هذا التطبيق من التخطيط اللغوي من دولة إلى أخرى بحسب وجود لغة وطنية أو قومية واحدة أو وجود ثنائية لغوية أو تعدد لغوي. وفي الظروف المعتادة يحكم تعليم اللغة / اللغات الأجنبية في بيئة اللغة الوطنية أو القومية معايير نفعية مثل شيوع اللغة الأجنبية وكثرة المتحدثين بها في العالم وتوافر وسائل تعليمها من كتب وتقنيات وبرمجيات ومعلمين واختبارات مقننة. تعليم اللغة/ اللغات الأجنبية في بيئة اللغة الوطنية أو القومية عادة ما يكون على مستويين أحدهما على مستوى التعليم العام لأغراض تواصلية مع الأجانب والمستوى الآخر في المرحلة الجامعية أو العليا لأغراض تخصصية كخدمة الترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة الوطنية أو القومية أو الترجمة إليها من اللغات الأخرى أو لخدمة أغراض المواكبة البحثية والعلمية أو لأغراض عسكرية أو أمنية. وما يحدث لدينا في الدول العربية عموما مشرقا ومغربا هو خروج الأمور عن السيطرة والغياب التام للتخطيط اللغوي المنطلق من المصلحة الوطنية أو القومية، حيث اكتسحت اللغة الأجنبية إنجليزية أو فرنسية دور اللغة العربية اللغة الأم في كل مجالات الحياة وكل مراحل التعليم. ومما ساعد على هذه الفوضى اللغوية في التخطيط لتدريس اللغات الأجنبية في العالم العربي، سواء في مستوى التعليم العام أو في المستوى الجامعي أو العالي لخدمة الترجمة، هو غياب نظام وتخطيط لغوي ملزم وغياب جهة حكومية تطبق هذا النظام على أرض الواقع. ومما فاقم من المشكلة، إضافة إلى غياب النظام والتخطيط اللغوي الوطني أو القومي الملزم، ضعف النخب السياسية والاقتصادية والأكاديمية أمام طوفان العولمة اللغوية المعاصرة والدعم اللامحدود من دول المركز لنشر لغاتها في العالم العربي خاصة.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها