ماذا لو قرر بوش إرسال مزيد من قواته للعراق؟

[email protected]

تواترت خلال الأيام الأخيرة أنباء عديدة حول مضمون الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في العراق المتوقع أن يقوم الرئيس الأمريكي جورج بوش بتقديمها إلى الكونجرس بتشكيله الجديد ذي الأغلبية الديمقراطية في مجلسيه. وعلى الرغم من أن تقرير اللجنة المستقلة التي شكلها الرئيس بوش نفسه لدراسة الأوضاع في العراق والتي حملت اسم رئيسها "بيكر وهاميلتون" قد أفاض في وصف الأوضاع الحالية في العراق واقترابها من حد الكارثية وقدمت في ضوء ذلك عدة بدائل للإدارة الأمريكية لكي تختار من بينها ما يمكن أن يضع حداً لتدهور تلك الأوضاع، فإن ما راح يتردد حول ما يعتزم الرئيس بوش التقدم به لا يبدو مستنداً إلى ذلك التقرير ومقترحاته، بل يبدو متناقضاً معه ومع الرؤية والروح التي أعد بها.
والمضمون الأكثر شيوعاً – حتى اليوم – للاستراتيجية التي سيعلنها الرئيس الأمريكي خلال أيام قليلة هو إرسال مزيد من القوات الأمريكية إلى العراق وبأعداد تراوح ما بين 20 و40 ألف جندي إضافي. كذلك فإن طبيعة مهمة تلك القوات الجديدة في العراق حسب المتناثر حول ما سيطرحه الرئيس بوش هو أنها لن تقوم بتدريب مزيد من قوات الأمن والجيش العراقية لكي تقوم بمهامها في حفظ الأمن في البلاد كما كانت تقترح لجنة "بيكر وهاميلتون"، بل إن تقوم تلك القوات بنفسها بأداء المهام القتالية والأمنية التي يستلزمها حفظ ذلك الأمن في مجمل العراق وبخاصة في العاصمة بغداد حتى تقضي تماماً على القوى والجماعات والتنظيمات كافة التي تخل بذلك الأمن أو تهدده. والحقيقة أنه لو صح ما تناثر حول الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في العراق، فهي ستكون أكثر الخطوات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية منذ غزو العراق قبل أقل من أربعة أعوام خطورة على تلك الإدارة نفسها وعلى العراق من الجوانب كافة.
فمن ناحية، فإن الأوضاع الأمنية والسياسية الحالية في العراق قد وصلت إلى مستوى من التعقيد والتدهور بما يجعل من إضافة أعداد جديدة من القوات الأمريكية التي تقوم بمهام قتالية وأمنية فيه بمثابة "محفز" لمزيد من الاضطراب الأمني والسياسي. فمن الواضح من التحالفات السياسية والعسكرية القائمة اليوم في العراق وكذلك من الخلافات والصراعات القائمة بين مختلف مكوناته الاجتماعية والسياسية والمذهبية والعرقية أن المهام التي ستقوم بها تلك القوات الإضافية ومعها القوات الأصلية الأمريكية ستكون لصالح بعض الفئات والجماعات العراقية ضد فئات وجماعات أخرى، أو على الأقل لن يتم إدراكها من تلك الأخيرة سوى بهذه الصورة. ومن شأن قيام القوات الأمريكية بمثل تلك المهام، أو مجرد إدراكها بتلك الطريقة من جانب بعض الأطراف العراقية، سوف يدفع بها بدون أدنى شك إلى مزيد من الصدام المسلح مع تلك القوات ومع الأطراف والفئات والجماعات الأخرى التي سيشملها الدعم الأمريكي العسكري والأمني. من ناحية ثانية، فإن العراق شهد خلال الأشهر الأخيرة تزايداً ملحوظاً لعمليات المقاومة المسلحة ضد الوجود العسكري الأجنبي عموماً والأمريكي خصوصاً واتساع رقعة القائمين بها أو المساندين لها بسبل عديدة في المجتمع العراقي في مختلف فئاته، وهو الأمر الذي سيمثل زيادة الوجود العسكري الأمريكي "تحدياً" إضافياً للقائمين بها بما سيدفعهم إلى تصعيد عملياتهم العسكرية ضده وبخاصة في المناطق التي سيتركز فيها ذلك الوجود الجديد وفي مقدمتها العاصمة بغداد.
وعلى الوجه الآخر وفي داخل الولايات المتحدة نفسها، فإن تدهور الأوضاع في العراق على النحو السابق وصفه والذي سيؤدي إلى مزيد من الخسائر الأمريكية وبخاصة في أرواح جنودها هناك، سيؤدي إلى مزيد من العزلة لإدارة الرئيس بوش وخسارتها المتصاعدة لأي تأييد من الرأي العام أو من الكونجرس الذي يسيطر عليه خصومها الديمقراطيون. ولا شك في هذا السياق أن اقتصار اختيارات الإدارة الحالية على بديل واحد متوقع هو إرسال مزيد من القوات إلى العراق دون الاستعانة ببدائل أخرى سياسية طرحها تقرير لجنة "بيكر وهاميلتون" سواء تعلقت بإصلاح علاقاتها مع بعض دول الجوار العراقي مثل سورية وإيران أو بطرح معالجات أشمل وأكثر واقعية للقضية الفلسطينية، سيزيد من حدة وصعوبة الموقف الذي ستواجهه القوات الأمريكية في العراق مما سيزيد أكثر وأكثر من الخسائر التي يمكن أن تتعرض لها. كذلك فإن اعتراف عديد من أعمدة الإدارة الحالية الكبار بمن فيهم الرئيس بوش ووزير دفاعه أخيرا بعدم القدرة على إحراز النصر في العراق بعد مرور أربعة أعوام تقريباً على احتلاله، سيدفع القوى المعارضة لهم ولسياستهم في العراق إلى استكمال الهجوم على تلك الإدارة في المحافل السياسية والإعلامية والمجتمع المدني وبخاصة في ظل التزايد المتوقع للخسائر الأمريكية في العراق، بما يزيد من عزلتها الداخلية وقد يدفع بها إلى الهاوية السياسية في لحظة تأزم كبرى قد يمر بها الوضع في العراق في أي وقت.
إن أحداً لا يمكنه بدقة معرفة ما سيعلنه الرئيس الأمريكي من إجراءات وترتيبات جديدة في العراق خلال الأيام القليلة المقبلة، إلا أن المتسرب عنها وحولها خلال الأيام الأخيرة لوسائل الإعلام يرجح بصورة كبيرة أن تأتي على النحو السابق الإشارة إليه. وفي هذه الحالة فستكون الإدارة الأمريكية هي التي اختارت النهاية الأكثر "مأساوية" التي سيصل إليها العراق بعد كل المآسي التي مر بها خلال الأعوام الأربعة الماضية، كما ستكون هي التي اختارت الطريقة التي ستخرج بها من التاريخ الأمريكي والعالمي: معزولة ومهزومة ومتسببة في واحدة من أسوأ كوارث الألفية الثالثة سواء بالنسبة للعراقيين أو بالنسبة للأمريكيين.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي