الرجل الألف.. أين هو؟
<a href="mailto:[email protected]">falkassim@fincorpgroup.com</a>
"أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل" إنها نبوءة سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، فأين أثر ما يزيد على ستة مليارات مسلم في العالم اليوم، إنها الغثائية التي يعاني منها العالم الإسلامي اليوم في الاقتصاد والسياسة والفكر والإبداع وأخير في العلم والتعليم.
وإن كانت القاعدة العامة هي الغثاء، إلا أن لهذه القاعدة ولله الحمد الكثير من الاستثناءات، ومن فضل الله أن تزخر بلادنا بعدد من هذه الاستثناءات، ومن الاستثناءات الرئيسية للغثائية الاقتصادية لرجال العالم الإسلامي أحد الرجال الذين لم يكملوا دراستهم، بل لم يبدأها أصلاً، فهو لم يحصل على الشهادة الابتدائية، ولكنه علم نفسه كيف يكسب القرش ثم الريال ثم الألف فالمليون، كما تعلم كيف يصرفه ومتى، كافح وعمل بجد واجتهاد وجلد وانتقل من عالم الصبيان إلى الموظفين ثم إلى أصحاب العمل ثم أصبح في قائمة المليونيرات، وظهر اسمه أخيراً في قائمة فوربس لأغنى أغنياء العالم، إنه سليمان الراجحي الذي بدأ صبياً عند أخيه صالح ثم شريكاً له، حتى أصبح من أغنى رجال الأعمال في المملكة.
عندما يتحدث سليمان الراجحي عن الدواجن.. يتحدث كخبير عالمي، وعندما يدير مشروعاً زراعياً.. فهو الفلاح الذي عاش وترعرع في الحقول، وعندما يأخذك في جولة في عالم الربيان.. فهو الصياد الذي يمارس صنعة آبائه وأجداده، وعندما تناقش معه مشروعاً صناعياً.. سيأخذك في تفاصيل يعجز عنها كبار الفنيين، لقد تعلم سليمان الراجحي بالطريقة الصعبة.. التجربة والخطأ.. والسماع.. والمشاهدة.. والزيارة.. والتعلم من الغير، وبعد أن يتعلم سليمان الراجحي فإنه يتقن الصنعة ويجيد التطوير والإبداع فيصبح مدرسة بل جامعة في ما تعلم، ولا يأنف من التعلم من الغير ولا يتكبر أو يستصغر الآخرين، من أهم قواعده حتى بعد التعلم أن يستشير الآخرين ويستأجر العقول.
تتناقل الصحف ووسائل الأعلام تبرعات كبار أثرياء العالم للجمعيات والمؤسسات الخيرية، وتغفل عن أقرب الناس لها، لقد كان سليمان الراجحي يتبرع سنوياً بمئات الملايين، ولكن لأنه سليمان الراجحي الرجل "الملياردير" البسيط المتواضع الذي يطلب ما عند الله فلا يبادر إلى نشر ما تنفقه يمينه، فشماله لا تعلم عنها، حتى عندما أسس مؤسسته الخيرية التي تحمل اسمه لتنظم أعماله الخيرية، لم يهتم بما يكتب ويقال بقدر اهتمامه بتنظيم أعمال المؤسسة وترتيب أمورها وتعيين الأكفاء لإدارتها، بل وحتى عندما أوقف سليمان الراجحي ثلث ثروته وهو ما قد يكون أكبر وقف إسلامي في التاريخ لشخص واحد حتى الآن، لم تتناقل وسائل الإعلام هذا الخبر وتتشرف به، لينطبق عليه المثل الشهير.. فزامر الحي لا يطرب.
أعرف جيداً أن سليمان الراجحي الذي عمل بصمت لا يرغب أن يظهر أعمال الخير والبر لأنه يطلب ما عند الله، ولا يرائي لأن أبواب الرياء الكثيرة قد أوصدها، والناس في هذا الباب على طرفي نقيض.. إما عدم الإعلان أو الإخبار بأي تبرع، أو الإعلان عن كل تبرع أو حتى نية تبرع أو اجترار لتبرع قديم حتى لو كان بألف أو عشرة آلاف ريال.
في رأيي أن الإعلان عن أعمال البر والخير بشكل عام، وخاصة عندما يتم بطريقة مهنية.. يحفز الآخرين على الاقتداء بها، وتدعو رجال الأعمال إلى المنافسة في الخير.
لو كان سليمان الراجحي في أي دولة أخرى، لطارت به الصحف والأخبار ووسائل الإعلام، فثروته ووزنه الاقتصادي يتحدثان عن نفسه، واستثماراته المتجددة في جميع المجالات داخل المملكة تفرض نفسها، و مجهوده السخي في أعمال الخير والبر والدعم في كل ما ينفع ليس مجهود فرد بل يوازي ميزانية دولة.. إنه الرجل الألف.. فهل نحتفي به؟