رؤى الإسلاميين للعولمة....الإخوان المسلمون(1)

في مقال سابق في هذه الصفحة حول الحركات الإسلامية والعولمة ذكرنا أنها تختلف في نظرتها لها وموقفها منها بحسب نوع الحركة وطبيعتها. وفي هذا الإطار ميزنا بين فئات ثلاث لتلك الحركات، أولها ما نسميه الحركات السياسية – الاجتماعية ذات البرنامج الإسلامي، وهي تلك التي تركز على تطبيق الشريعة الإسلامية باعتبارها برنامجاً سياسياً يهدف إلى إعادة تنظيم المجتمع والدولة، وذلك عبر الوسائل السلمية وفي مقدمتها السياسية منها. أما النوع الثاني فهو الجماعات الإسلامية الجهادية الدولية، وهي التي تعطي الأولوية في فكرها وحركتها لمواجهة من ترى أنهم أعداء الإسلام الذين يعتدون عليه وعلى شعوبه وعلى أراضيه، وهو ما يعني أن العنف والقتال يعد الاستراتيجية الرئيسية بل وربما الوحيدة لها. أما النوع الرئيسي الثالث فهو الجماعات الإسلامية الجهادية المحلية، وهي تلك التي تسعى عبر خليط من العنف والوسائل السياسية إلى إعادة "أسلمة" المجتمع وتأسيس دولة إسلامية فيه، وتنطلق في رؤيتها وتحركها من تبني مشروع راديكالي للتغير الكامل والعنيف لهما وليس إعادة التنظيم السلمي للقواعد القائمة فيهما.
وبتطبيق هذا التمييز النظري على رؤى ومواقف حركات إسلامية ثلاث تجاه العولمة يبدو واضحاً أن الإشكالية الرئيسة لهذه الحركات تجاه العولمة هي محاولة التوفيق والموازنة بين تعريفاتها للعولمة التي ترى عموماً أنها ظاهرة سلبية، وبين الصفة "العالمية" للإسلام باعتبارها من أبرز إيجابياته من وجهة نظر تلك الحركات. ونبدأ هنا بجماعة الإخوان المسلمين في مصر، وهي تنتمي إلى فئة الحركات السياسية – الاجتماعية ذات البرنامج الإسلامي، والتي على الرغم من أنها تمثل القيادة العالمية للجماعة على مستوى العالم يمثلها المرشد العام للجماعة ومكتب الإرشاد، فالجماعة في مصر – وفروعها في مختلف البلدان الإسلامية – تتصرف كجماعة محلية ساعية إلى تطبيق برنامجها والتأثير على الحكم أو الوصول إليه بالطرق السلمية. فبالنسبة للإخوان المسلمين تتناثر في وثائقهم الرسمية وكتابات قياداتهم ملامح تعريفات عديدة للعولمة كان أبرزها ما جاء في "مبادرة الإصلاح السياسي" التي أعلنها المرشد العام محمد مهدي عاكف في 4 آذار (مارس) 2004، حيث يقول: "كما نؤمن بضرورة التعاون مع بقية دول العالم لخير البشرية، ومن ثَمَّ نعتمد تحرير التجارة والانفتاح أسلوبا رئيسيّا لعلاقاتنا مع الدول الأخرى، في ظل الاعتماد المتبادل، وثورة المعلومات والاتصالات، ولكننا ضد الهيمنة والتبعية التي تهدف إليها حركة العولمة المعاصرة، ومن ثمَّ سوف نعمل على تعظيم إيجابيات اتفاقية الجات، ومنظمة التجارة العالمية، والحد من سلبيات هذه الاتفاقيات".
وقد حاول المرشد السابق مصطفى مشهور أن يضع تعريفه للعولمة ومقارنته بين "عالمية" الإسلام و"العولمة" في مقال منشور عام 2002 تحت عنوان دال هو "من وحي الحج: بين عالمية الإسلام وخطايا العولمة". وفي هذا المقال يبرز المرشد الراحل معنى "عالمية" الإسلام الإيجابية كما يراها في أن الإسلام يجمع المسلمين على اختلاف ألوانهم وتباعد ديارهم بما يؤدي إلى أن "يتحقق فيهم الشعور بالأمة الواحدة ، والوطن الواحد ، بل والجسد الواحد ، وأن تتحرك في نفوسهم جميعا معاني التضحية وحق إخوانهم في كل مكان في نصرتهم ومعونتهم ، والدفاع عنهم، فهذا حق المسلم على المسلم في هذا الدين". ويعني هذا حسب المرشد أن "اتجاه المسلمين جميعا في كل أنحاء الأرض في صلاتهم إلى قبلة واحدة يدعوهم إلى توحيد وجهتهم، وتوحيد مواقفهم، وتوحيد نظرتهم إلى القضايا الخطيرة التي تعصف بمستقبل الأمة كلها، وتكاد تدمرها عن آخرها". أما العولمة التي يعرفها المرشد العام بأنها "النظام العالمي الجديد" فملامحها هي "وضوح الخطر اليهودي والعدوان الأمريكي الغاشم، والتهديد بالسحق والقتل ليل نهار، إن الخطر اليوم لم يعد يتهدد الشعب الفلسطيني ولا الأفغاني ولا العراقي فحسب وإنما يتهدد أقطاراً إسلامية وشعوبا إسلامية بأكملها، إن التصريحات من هنا وهناك بتجفيف المنابع، وحصار المساجد ومنع كلمة الحق أن تقال فيها، ومنع التبرع والصدقات وتعطيل فعل الخير وتجريم كل تصرف إسلامي، ومطاردة كل ما هو إسلامي، ووصفه بالتطرف وجلب اليهود من روسيا وغيرها، ومحاولة سحق الانتفاضة، وتدمير البنية التحتية لأهل فلسطين، وتمكين الهنود السيخ من ضرب المسلمين في كشمير، تم تدمير أفغانستان بأكملها، ومعاملة الشباب المسلم معاملة أقل من الدواب، حتى أصبح دم المسلم من أرخص الدماء لهو من الأمور المصيرية في تاريخ الأمة". ويخلص المرشد الراحل إلى القول إنه على المسلمين أن يثقوا بدينهم وإسلامهم وأن يطمئنوا إلى وعد الله، ولا يخافوا من التهديد الرخيص والتهريج الذي يصدر من البعض، فالنظام العالمي الجديد ولد ميتا، لأنه عقلا وتاريخا لا يمكن بل يستحيل أن يسيطر نظام فرد واحد أو مجموعة من الناس، أو دولة ، على العالم كله، لأن هذا مخالف لسنن الله بل هو خروج عليها".
ويضيف الدكتور محمد السيد حبيب نائب المرشد العام حالياً ملامح أخرى لتعريف العولمة لدى الإخوان في حديث له لموقع الإخوان على الإنترنت "حقائق مصرية" بقوله أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى تحقيق عدة أهداف من بينها "إشاعة ثقافة العولمة، خاصةً الإباحية والشذوذ والعنف والجنس والمخدرات في المجتمعات العربية والإسلامية تحت ستار محاربة التطرف والإرهاب". أما الداعية الإسلامي المعروف الشيخ يوسف القرضاوي وثيق الصلة بالإخوان المسلمين فيرى في حوار له مع الصحافي الأمريكي توماس فريدمان عام 2002 "أن أميركا تريد أن تعيد استعمار العالم باسم جديد، هو (العولمة) فحقيقة العولمة هي (الأمركة) سواء كانت عولمة السياسة أم عولمة الاقتصاد، أم عولمة الثقافة، بل حتى (عولمة الدين). والآن تريد أمريكا (عولمة الأمن) تحت اسم (محاربة الإرهاب) أن تتدخل في كل شيء في أخص الشؤون الداخلية للدول، حتى مناهج تعليمها الديني، وحتى تبرعات أفرادها لأعمال الخير. تكاد أمريكا تريد أن تراقب عقول الناس إذا فكروا، وعواطف الناس إذا أحبوا أو كرهوا، وسلوك الناس إذا تدينوا أو فسقوا".
تلكم هي الملامح الرئيسية لرؤية الإخوان المسلمين للعولمة كما ترسمها كلمات وأقلام قادة الجماعة الكبار خلال السنوات الأخيرة، وهي رؤية لن تبدو واضحة سوى بعرض رؤى النوعين الآخرين للحركات الإسلامية للعولمة، وهو موضوع المقال القادم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي