لماذا يصعد تنظيم القاعدة في الجزائر من عملياته؟

drashwan59@yahoo .com

بعد يومين فقط من الكلمة التي وجهها أيمن الظواهري نائب زعيم القاعدة لأنصارها والمنتسبين إليها في منطقة المغرب العربي "بتطهيرها" من الوجود الفرنسي والإسباني، قام انتحاري من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بمهاجمة تجمع للعمال الأجانب بحراسة الشرطة شرقي العاصمة الجزائرية مما أوقع تسعة من الجرحى منهم عاملان فرنسيان وآخر إيطالي. وأصدر التنظيم فور وقوع العملية بياناً تحمل فيه مسؤوليتها ووجه إنذاراً صريحاً لرعايا الدول الغربية في الجزائر وجميع دول المنطقة بالرحيل عنها وإلا فسوف يتعرضون لمثل تلك الهجمات وأشد منها، في الوقت نفسه الذي أعلنت فيه السلطات الأمنية الفرنسية بشكل خاص عن توافر معلومات لديها تؤكد جدية التهديدات التي قد يتعرض لها الرعايا الفرنسيون والغربيون في الجزائر والمنطقة بأكملها من جانب تنظيم القاعدة هناك.
ومن الواضح أن قيام الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية التي تحولت إلى تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي منذ بداية العام الحالي 2007 باستهداف الرعايا الأجانب المقيمين في الجزائر خصوصاً والمنطقة عموماً يعد جزءاً من استراتيجية كاملة راح التنظيم يتبعها في هجماته منذ هذا التحول. فهذا الهجوم الأخير على الرعايا الفرنسيين والإيطاليين ليس الأول من نوعه، فقد سبقه هجوم آخر على عاملين روس قبل شهرين أودى بحياة بعضهم، وهو ما سبقه وتلاه أكثر من إعلان وتحذير من قيادة التنظيم للرعايا الأجانب في المنطقة بمغادرتها وإلا فسوف تطولهم الهجمات. وبهذا التوجه نحو الهجوم على الرعايا الأجانب وربما بعد ذلك المصالح الأجنبية في الجزائر ومنطقة المغرب العربي، يكون تنظيم القاعدة الجديد هناك قد استكمل الأهداف الرئيسية التي يسعى لضربها هناك. فقد كانت الهجمات الانتحارية الأولى المتزامنة التي نفذها التنظيم في نيسان (أبريل) الماضي موجهة ضد مقر رئيس الحكومة ومقر القوات الخاصة بمكافحة الإرهاب في العاصمة الجزائرية، ثم أتت بعد ذلك في الشهر الماضي محاولة الاغتيال الفاشلة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة وبعدها بأيام قليلة التفجير الانتحاري في أحد مقار القوات البحرية الجزائرية. بذلك يبدو واضحاً أن التنظيم يسعى لضرب جميع الرموز والمصالح الرسمية والأمنية والعسكرية الوطنية الرئيسية في الجزائر ومعها الرعايا الأجانب حتى هذه اللحظة، وهو الأمر الذي يمكن أن يتطور وفقاً للمؤشرات المتوافرة حتى الآن إلى السعي لاستهداف بعض المصالح الأجنبية وخاصة الدبلوماسية والاقتصادية، إضافة إلى احتمال توجهه لضرب بعض المصالح الاقتصادية الجزائرية الوطنية الرئيسية وفي مقدمتها صناعة النفط. الهدف الجوهري للتنظيم في الجزائر من كل تلك الاستهدافات على تنوعها هو إعادة الجزائر إلى حالة الفوضى والقتال الضاري التي شهدتها خلال سنوات التسعينيات من القرن الماضي، وهي الحالة التي يتصور التنظيم أنها كفيلة بتوسيع دائرة المنخرطين فيه والمؤيدين له على الصعيد الجزائري.
وإلى جانب هذا الهدف المركزي المتعلق بالجزائر نفسها، فإن هذه الاستراتيجية الموسعة والمتصاعدة التي ينفذ بها تنظيم القاعدة الجديد في الجزائر ومنطقة المغرب العربي عملياته تبدو هادفة إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية على الأقل. هناك أولاً رغبة قيادة الجماعة السلفية للدعوة والقتال، والتي هي الهيكل الحقيقي للتنظيم الجديد حتى اليوم، في إثبات وجودها على الصعيد السياسي والإعلامي في الجزائر والإقليم المحيط بها كله في صورتها الجديدة كفرع لتنظيم القاعدة فيها، بما في ذلك تأكيد وجود فوارق نوعية في عملياتها سواء في طريقة تنفيذها أو أهدافها أو حجمها. من ناحية ثانية يسعى التنظيم الجديد إلى جذب أنظار الجماعات والمجموعات والأفراد الموجودين في مختلف بلدان المنطقة والمقتنعين بالرؤية الفكرية والسياسية والعملية للقاعدة، حيث يمثل الانخراط في التنظيم الجديد بالنسبة لهم الخيار الوحيد الذي يحقق لهم الأهداف المشتركة بينهم جميعاً وبينه، الأمر الذي يوفر للتنظيم الطابع الإقليمي الذي يسعى إليه ويذيب الطبيعة الجزائرية التي لا يزال يتسم بها حتى اليوم في هذا الإطار الأوسع الذي يشير إليه اسم التنظيم نفسه. ويتمثل الهدف الثالث في سعي الفرع الجزائري والمغاربي للقاعدة إلى منح شبكة القاعدة على المستوى العالمي دفعة جديدة باتت تحتاج إليها اليوم في ظل الأوضاع السيئة التي تمر بها بعض الفروع الأخرى. فمن الواضح أن الفرعين الرئيسيين للقاعدة في كل من الجزيرة العربية والعراق يمران بأوضاع صعبة تبدو أكثر شدة ووضوحاً في السعودية التي أصيب فيها التنظيم بضربات قاتلة، بينما تواجهه في العراق أزمات حقيقية أدت إلى حصاره في كثير من المناطق التي احتضنته من قبل فضلاً عن صراعاته الدموية مع كثير من فصائل المقاومة العراقية الإسلامية. وبذلك فلم يبق على المستوى العالمي من صعود لتنظيم القاعدة سوى أفغانستان وباكستان حيث التنظيم المركزي الأصلي الذي يواصل تقدمه هناك بالتوازي مع الصعود العسكري والسياسي في أفغانستان لحليفته الرئيسية حركة طالبان والجماعات القريبة منها في باكستان. وبذلك فإن فرع التنظيم الجزائري والمغاربي يهدف في ظل تلك الأوضاع إلى تعويض التراجع الذي أصاب الفرعين الآخرين الرئيسيين للقاعدة وإعطاء الانطباع باستمرار وجود التنظيم وتصاعد عملياته بالنظر إليه وإلى التنظيم المركزي في أفغانستان وباكستان.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي