التلقيح الاصطناعي وتأجير الأرحام.. أساليبه ومشروعيته (1)

جاء في بعض التقارير الصحافية أن الهند أصبحت أكثر دول العالم جذبا للسياحة التناسلية بعدما تنامت فيها عمليات تأجير الأرحام التي بدأت قبل خمس سنوات في مدينة (راناند) غرب الهند، حيث تخصصت عيادة طبية في الجمع بين الأزواج العقيمين ونساء من المدينة المذكورة لحمل مواليدهم، حيث ولّدت الدكتورة (نايتا باتل) أكثر من 100 طفل من أمهات بديلات، 40 في المائة منهم لهنود يعيشون في الخارج، و20 في المائة لأجانب، وتقدم العيادة خدمة شاملة تجمع فيها بين "(الرحم المؤجر) والزوجين اللذين تقتصر مهامها على تقديم سائل التخصيب وبويضة، ويتم توقيع اتفاق بين الوالدين (الطرف الأول) والأم البديلة (الطرف الآخر)، ويلتزم فيها الطرف الأول بالتكفل بجميع الأتعاب الطبية وتوفير الإقامة للطرف الآخر خلال فترة الحمل وحتى الولادة، إضافة إلى مبلغ محدد كأتعاب للطرف الآخر، على أن يسلم الطرف الآخر (الأم البديلة) المولود بمجرد ولادته، وتحصل الأم البديلة على مبلغ يراوح بين أربعة وثمانية آلاف دولار أمريكي، وهو مبلغ ضخم في بلاد يعيش كثيرون على أقل من دولارين في اليوم.
ولقد أدى نجاح عيادة الدكتورة باتل إلى انتشار مئات العيادات بسرعة في أنحاء البلاد، حيث يقول منتقدون إن المروجين لهذه السياحة التناسلية لا يكترثون كثيرا بصحة الأمهات البديلات أو بحقوقهن. وإزاء ذلك فقد عرض على البرلمان الهندي مشروع قانون يتصل بحقوق الأمهات البديلات.
وتدافع الدكتورة بات التي ظهرت في حلقة خاصة من برنامج أوبرا وينفري قبل سنتين عن نفسها قائلة: (حجتي أن الحمل البديل لا يقتل أحدا وليس ارتكابا لفعل غير مشروع أو غير أخلاقي، وإذا استطاع طفل أم بديلة الحصول على التعليم وإذا استطاعت أسرة شراء منزل ومساعدة زوجين محتاجين في الوقت ذاته فأين الضرر؟).
وتعرضت باتل والأزواج، وأكثر من نصفهم إما هنود غير مقيمين وإما أجانب، لوابل من الانتقادات "لاستغلالهم" الأمهات البديلات وتجاهلهم الجدل الأخلاقي.
وكثيرات من الأمهات البديلات لا يخبرن آباءهن أو عائلات أزواجهن خوفا من أن ينبذوهن، ويعيش عديد منهن في منازل مخصصة لهن لضمان حصولهن على الغذاء المناسب وليكن في مأمن بعيدا عن الأزواج الثملين والجيران الفضوليين.
ويشير بعض الخبراء إلى أن الأمهات البديلات وأكثرهن لا يعرفن القراءة والكتابة، لا يفهمن كل ما تستتبعه العملية ويضعن أنفسهن في مجازفة بدنية وعاطفية لكن ليس لهن سوى بضعة حقوق.
تقول الدكتورة باتل إنها، في غياب التشريعات، تلتزم بتوجيهات المجلس الهندي للأبحاث الطبية التي تنص على أنه لا يمكن تلقيح الأم البديلة إلا ببويضة ومني الزوجين، أو متبرعين مجهولي الهوية، على أن يكون عمرها أقل من 45 سنة.
وهنا يثور التساؤل حول موقف الشريعة الإسلامية الغراء من التلقيح الاصطناعي وتأجير أو تشغيل الرحم بحمل لحساب الغير؟.. لقد درس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي هذا الموضوع في دورته السابعة المنعقدة من يوم 11 إلى 16 ربيع الآخر سنة 1404هـ، وأصدر بشأنه قرارا تحت رقم (5)، ولإفادة القارئ بمضامين هذا القرار، نسرد نصه الحرفي على جزءين، نورد الجزء الأول في هذا المقال، حيث يوضح الأساليب المتبعة للتلقيح الاصطناعي، ثم نورد الجزء الآخر في المقال اللاحق، حيث يبين المجمع موقف الشريعة الإسلامية حيال هذه الأساليب.

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد .. وبعد:

فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، قد نظر في الدراسة، التي قدمها عضو المجلس مصطفى أحمد الزرقاء، حول التلقيح الاصطناعي وأطفال الأنابيب، الأمر الذي شغل الناس، وكان من أبرز قضايا الساعة في العالم. واستعرض المجلس ما تحقق في هذا المجال من إنجازات طبية، توصل إليها العلم والتقنية في العصر الحاضر، لإنجاب الأطفال من بني الإنسان، والتغلب على أسباب العقم المختلفة المانعة من الاستيلاد.
وقد تبين للمجلس من تلك الدراسة الوافية المشار إليها، أن التلقيح الاصطناعي بغية الاستيلاد (بغير الطريق الطبيعي وهو الاتصال الجنسي المباشر بين الرجل والمرأة) يتم بأحد طريقين أساسيين:
طريق التلقيح الداخلي، وذلك بحقن نطفة الرجل في الموقع المناسب من باطن المرأة.
وطريق التلقيح الخارجي بين نطفة الرجل، وبويضة المرأة في أنبوب اختبار، في المختبرات الطبية، ثم زرع البويضة الملقحة (اللقيحة) في رحم المرأة.

ولا بد في الطريقين من انكشاف المرأة على من يقوم بتنفيذ العملية.
وقد تبين لمجلس المجمع من تلك الدراسة المقدمة إليه في الموضوع، ومما أظهرته المذاكرة والمناقشة، أن الأساليب والوسائل التي يجري بها التلقيح الاصطناعي بطريقيه الداخلي والخارجي، من أجل الاستيلاد هي سبعة أساليب بحسب الأحوال المختلفة. للتلقيح الداخلي فيها أسلوبان، وللخارجي خمسة من الناحية الواقعية، بقطع النظر عن حلها أو حرمتها شرعا، وهي الأساليب التالية:

في التلقيح الاصطناعي الداخلي:
الأسلوب الأول: أن تؤخذ النطفة الذكرية، من رجل متزوج، وتحقن في الموقع المناسب داخل مهبل زوجته، أو رحمها، حتى تلتقي النطفة التقاء طبيعيا بالبويضة، التي يفرزها مبيض زوجته، ويقع التلقيح بينهما، ثم العلوق في جدار الرحم، بإذن الله، كما في حالة الجماع، وهذا الأسلوب يلجأ إليه إذا كان في الزوج قصور، لسبب ما عن إيصال مائه في المواقعة إلى الموضع المناسب.

الأسلوب الثاني: أن تؤخذ نطفة من رجل، وتحقن في الموقع المناسب من زوجة رجل آخر، حتى يقع التلقيح داخليا، ثم العلوق في الرحم، كما في الأسلوب الأول. ويلجأ إلى هذا الأسلوب، حين يكون الزوج عقيما، لا بذرة في مائه، فيأخذون النطفة الذكرية من غيره.

في طريق التلقيح الخارجي
الأسلوب الثالث: أن تؤخذ نطفة من زوج، وبويضة من مبيض زوجته، فتوضعان في أنبوب اختبار طبي، بشروط فيزيائية معينة، حتى تلقح لطفلة الزوج بويضة زوجته في وعاء الاختبار، ثم بعد أن تأخذ اللقيحة بالانقسام والتكاثر، تنقل في الوقت المناسب، من أنبوب الاختبار إلى رحم الزوجة نفسها صاحبة البويضة، لتعلق في جداره، وتنمو وتتخلق ككل جنين، ثم في نهاية مدة الحمل الطبيعية، تلد الزوجة طفلا أو طفلة. وهذا هو طفل الأنبوب الذي حققه الإنجاز العلمي، الذي يسره الله، وولد به إلى اليوم عدد من الأولاد ذكورا وإناثا وتوائم، تناقلت أخبارها الصحف العالمية، ووسائل الإعلام المختلفة.

ويلجأ إلى هذا الأسلوب الثالث: عندما تكون الزوجة عقيما، بسبب انسداد القناة التي تصل بين مبيضها ورحمها (قناة فالوب).

الأسلوب الرابع: أن يجري تلقيح خارجي في أنبوب الاختبار، بين نطفة مأخوذة من زوج، وبويضة مأخوذة من مبيض امرأة، ليست زوجته (يسمونها متبرعة) ثم تزرع اللقيحة في رحم زوجته.
ويلجأون إلى هذا الأسلوب، عندما يكون مبيض الزوجة مستأصلا أو معطلا، ولكن رحمها سليم قابل لعلوق اللقيحة به.
الأسلوب الخامس: أن يجري تلقيح خارجي، في أنبوب اختبار، بين نطفة رجل وبويضة من امرأة، ليست زوجة له (يسمونها متبرعين)، ثم تزرع اللقيحة في رحم امرأة أخرى متزوجة.
ويلجأون إلى ذلك، حينما تكون المرأة المتزوجة، التي زرعت اللقيحة فيها، عقيما، بسبب تعطل مبيضها، لكن رحمها سليم، وزوجها أيضا عقيم ويريدان ولدا.
الأسلوب السادس: أن يجري تلقيح خارجي، في وعاء الاختبار، بين بذرتي زوجين، ثم تزرع اللقيحة في رحم امرأة تتطوع بحملها.
ويلجأون إلى ذلك حين تكون الزوجة غير قادرة على الحمل، لسبب في رحمها، ولكن مبيضها سليم منتج، أو تكون غير راغبة في الحمل ترفها، فتتطوع امرأة أخرى بالحمل عنها.
الأسلوب السابع: هو السادس نفسه إذا كانت المتطوعة بالحمل، هي زوجة ثانية للزوج صاحب النطفة، فتتطوع لها ضرتها لحمل اللقيحة عنها.
وهذا الأسلوب لا يجري في البلاد الأجنبية، التي يمنع نظامها تعدد الزوجات، بل في البلاد التي تبيح هذا التعدد.
هذه هي أساليب التلقيح الاصطناعي، الذي حققه العلم: لمعالجة أسباب عدم الحمل.
وقد نظر مجلس المجمع، فيما نشر وأذيع، أنه يتم فعلا تطبيقه في أوروبا وأمريكا، من استخدام هذه الإنجازات، لأغراض مختلفة: منها تجاري، ومنها ما يجري تحت عنوان (تحسين النوع البشري)، ومنها ما يتم لتلبية الرغبة في الأمومة لدى نساء غير متزوجات، أو نساء متزوجات، لا يحملن لسبب فيهن، أو أزواجهن، وما أنشئ لتلك الأغراض المختلفة من مصارف النطف الإنسانية، التي تحفظ فيها نطف الرجال، بصورة تقانية، تجعلها قابلة للتلقيح بها إلى مدة طويلة وتؤخذ من رجال معينين، أو غير معينين تبرعا، أو لقاء عوض، إلى آخر ما يقال إنه واقع اليوم في بعض بلاد العالم المتمدن.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي