المسؤولون .. بين المبادرة والتبعية
كم تغيظني عبارة "بناء على توجيهات ... "، وكأني بكثير من المؤسسات الحكومية تشعر بمسؤوليتها فقط بعد توجيهات عليا أو مجلس الوزراء أو أمير المنطقة أو الوزير المسؤول!! وكأني ببعض المسؤولين بعد كل أزمة أو حتى قبل أي عمل ينتظرون توجيه المسؤول الأعلى فإن لم يتم التوجيه فالمطلوب السكون والتجاهل .. أي مسؤولية هذه!! هل المطلوب من المسؤولين انتظار التوجيهات أم المبادرة؟
أين الخلل؟ تقول القاعدة الأزلية "يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" و"من أمن العقوبة أساء الأدب"، فالخوف من العقوبة هو الضابط في استتباب الأمن، ويندرج هذا المعنى في نفس السياق للوظيفة العامة، حيث لا معنى للمسؤولية دون أن تعقبها محاسبة وتقويم، وبعد الحساب لا بد من ثواب أو عقاب .. ولا أذكر منذ أن وعيت على الدنيا أن رأيت أو شهدت أو سمعت عن أي محاسبة لأي مسؤول!!
إذا كان هناك محاسبة فيجب أن تشهر للملأ حتى تنبه الغافل وتحذر المقصر وتحفز المجتهد، ولا شك أن الحافز سواء كان سلبيا أم إيجابيا يزيد بزيادة السلطة والنفود وثقل الأمانة ومستوى المسؤولية.
سأصور نموذجاً واحداً على الأقل وسأتجه للنموذج الإيجابي حتى لا ترفع الدعاوى بالقضايا علي في المحاكم وأروقة المسؤولين، رجل يتولى حاليا أعلى منصب في جامعة الملك سعود، وقد كان أحد أبنائها انتقل في مرحلة مؤقتة إلى وزارة التعليم العالي، حيث تم تعيين الدكتور عبد الله العثمان في 25/3/2007م، معنى ذلك أنه أمضى ما يقارب 19 شهرا حتى كتابة هذا المقال، ولكن ماذا فعل؟
خلال هذه المدة الوجيزة تحولت جامعة الملك سعود تحولاً جذريا .. لا أتحدث عن جانب أو جزء ولكن أتحدث عن تغيير كلي .. مس جميع جوانب الحياة داخل الجامعة .. العاملين .. أعضاء هيئة التدريس .. الطلاب .. المناهج .. المنشآت .. والأعجب من ذلك أن هذا كله تم خلال فترة قياسية بجميع المقاييس بنفس العاملين وبنفس الميزانية للسنة التي سبقتها.
أعضاء هيئة التدريس أحسوا بكينونتهم كباحثين وعلماء، والعاملين بدأوا يشعرون بالاعتزاز بالعمل في هذا الصرح الشامخ، الطلاب بدأوا يستعدون لمراحل مختلفة من التعلم وطلب العلم بل واعتزازهم بجامعتهم، الممارسات الديمقراطية بدأت تغشى الجامعة، الجو العلمي ظهر بعدما أفل لسنوات، الحالة المادية لأعضاء هيئة التدريس بدأت في التحسن.
لأول مرة وبشكل علمي ومنظم تبدأ جامعة سعودية في مشاركة المجتمع والقطاع الخاص في فعالياتها بهذا التنوع، ولأول مرة تنشئ جامعة وقفا للصرف على مشاريعها بهذا الحجم، لا أتكلم عن "فتافيت" بل أتحدث عن 600 مليون ريال جمعتها الجامعة لهذا المشروع.
بدأنا نسمع عن كراسي البحث ولكنه تعدى السماع للمعاينة، فتم تأسيس 63 كرسيا، بتمويل من خارج الجامعة قدره 350 مليون ريال، ومن خلال هذه الكراسي نفضت الجامعة عن أساتذتها غبار الكسل والجمود، وساهمت في تحسين الدخل المادي لهم، وبدأت الجامعة تستعيد دورها الريادي لصناعة الإنسان.
هل يكفي ذلك للحديث عن هذا المواطن الصالح ؟ إذا كان لا يكفيكم دعونا نستعرض الإنجازات الأخرى للدكتور عبد الله العثمان:
1) تأسيس برنامج تقنية النانو.
2) تأسيس برنامج نقل وتوطين التقنية.
3) تأسيس وادي الرياض للتقنية.
4) برنامج استقطاب علماء نوبل.
5) برنامج مجتمع المعرفة.
6) برنامج مراكز التميز البحثي.
7) برنامج التوأمة العلمية العالمية.
8) برنامج الاعتماد الأكاديمي الوطني والعالي.
9) وحدة الحقوق الطلابية .
10) مشروع الخطة الاستراتيجية.
11) إنشاء عمادة تطوير المهارات.
12) إنشاء عمادة الجودة.
13) برنامج السنة التحضيرية.
14) إنشاء عمادة التعاملات الإلكترونية.
15) إنشاء اللجنة الاستشارية الطلابية.
16) تأسيس المركز الوطني لأبحاث الشباب.
ولا أستبعد أنه ما بين تاريخ كتابة هذا المقال وبين تاريخ النشر سنجد أن كراسي البحث تزايدت، والتبرعات الوقفية نمت، ومشاريع الجامعة تستنبت بعضها بعضا، فطموح هذا الرجل ليس له حدود، وعمله الدؤوب تجاوز الطاقات الكامنة، بل بدأت باقي الجامعات السعودية تنهج النهج نفسه ( وهذا ليس عيبا) فقد جاوزت المنفعة حدود الجامعة التي هي إطار صلاحياته، وتعدى النفع إلى الغير.
لا أشك للحظة واحدة أنه ليس جهدا منفردا للدكتور عبد الله العثمان، ولكن استطاع هذا الرجل أن يعيد صياغة ثقافة الجامعة، وبناء بيئة العمل الإيجابية المحفزة، ومن ثم يشكل من حوله فريق العمل والبطانة الصالحة التي تعينه على العمل والإخلاص، فهو كالشمس ومن حوله النجوم، ولا أشك في أن مثل هذا العمل لم يكن ليباركه الله، لولا تحليه إضافة لما فيه بالقدوة الحسنة والأمانة والتوفيق من الله سبحانه وتعالى.
هل عبد الله العثمان مواطن استثنائي؟ هل عبد الله العثمان هو المخلص الوحيد في هذا الوطن؟ أقولها بكل صراحة لا وألف لا، لكنه رجل قوي أمين، أتيحت له الفرصة فعمل بصدق وإخلاص، تحلى بالجرأة وتجاوز سقف المطلوب وحدود الممكن تحلى بالشفافية، وعمل فأنجز فكتب الله له النجاح وبارك فيه.
أخيرا .. ما دورنا تجاه هذا النموذج، إذا كنا لا نستطيع (أو لا نجرؤ) على كشف ومعاقبة المسؤولين الحكوميين غير الصالحين أو غير المنتجين، فأقل ما يمكن أن نقوم به هو مكافأة المجتهد، وأقترح أن يتم تأسيس جائزة للمسؤول الصالح (كهيئة مستقلة يديرها مجلس من الأمناء المعروفين بالنزاهة والتجرد من غير موظفي الدولة)، وتمنح هذه الجائزة سنوياً لمجموعة من المسؤولين، بحيث يمنح هؤلاء ما يستحقونه من مكافأة معنوية ومادية، ويكونون قدوة لغيرهم ومثالا للأجيال من بعدهم.