مكة المكرمة .. بالإمكان تدارك المكان (2)
نشر الجزء الأول من هذا المقال الأسبوع الماضي، وهو يركز على واجبنا تجاه مكة المكرمة والمشاعر المقدسة من الناحية الدينية أولا كمسلمين، ووطننا ثانيا كسعوديين، أن نقدم أقل ما يمكن وهو الرأي والمشورة, وأشرت في المقال السابق إلى أننا يجب أن نعمل لزيادة عدد الحجاج ليصل إلى 37 مليون حاج سنويا، وهو المعدل الطبيعي المتوافق مع عدد المسلمين في العالم.
اتصل بي بعض الزملاء مستنكرين الكتابة في هذا الموضوع البعيد عن الشأن المالي، داعين إلى مواضيع أكثر فاعلية وجاذبية وسخونة، وكانوا يشيرون صراحة إلى أزمة الأسواق المالية العالمية، وأقول إن علاقة موضوعنا عن مكة بالاقتصاد علاقة وثيقة العرى، فعلى مر العصور كان الدخل من الحجاج والمعتمرين والزائرين يمثل دخلا أساسياً لمنطقة الحجاز، وهناك دول كثيرة تعتمد اعتمادا أساسيا على السياحة كمورد للدولة، إضافة إلى إسهامها ـ أي السياحة ـ في تشغيل المواطنين وزيادة دخول الشركات العاملة في هذا القطاع، ولا يمكن أن تتمتع أي دولة بمزايا سياحية مهما بلغت كما هو في قطاع الحج والعمرة في المملكة، التي يمكن أن تجلب الملايين من الزوار والمعتمرين دون دعاية أو تسويق، حيث الدافعية دينية ذاتية ربانية، فالحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، وبركة دعاء إبراهيم ـ عليه السلام ـ ستدوم إلى قيام الساعة.
قناعتي الشخصية أن قطاع الحج والعمرة سيكون هو اللاعب الرئيس الأكبر فيما لو تأثر دخل المملكة الناتج عن القطاعات الأخرى، خاصة النفط، نحتاج فقط أن نقوم بدورنا المطلوب كخدام لبيت الله الحرام.
الزائر لبيت الله لا يسره كثير من المشاهد التي يواجهها، وهي تعكس ومع الأسف، ثقافة كثير من المسلمين الذين يعيشون حياة فقر وجهل في بلدانهم، ولكن يجب علينا أن نتعايش معها ليس بقبولها فقط، ولكن بالعمل على توعية الحجاج بما يجب عليه كمسلم وبما يؤجر أو يؤثم بفعله أو بتركه، وهذه لا تتم عند وصول الزائر إلى مكة، ولكن يجب أن يبادر إليها قبل ذلك بكثير، بحيث تبدأ الحملة التوعوية عند حصول الحاج والزائر على التأشيرة، كما يمكن استثمار البرامج التوعوية في الطائرات عند القدوم، ودور المطوفين هنا دور رئيس في التوعية والتعليم والتدريب ونشر الثقافة الصحيحة لما يجب أن يكون عليه الحاج والزائر، كما أرى أن المشكلة في كثير من الأمور مرجعها عدم فهم الحاج والزائر بسبب اللغة، لذلك يجب أن تكون التعليمات متوافرة باللغات الأكثر انتشارا، كما يجب على المتعاملين مع الزوار أن يتقنوا هذه اللغات بالشكل الذي يمكنهم من التفاهم مع أصحابها.
قال تعالى "وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود"، ولم يرد ذكر الطائفين في المقدمة إلا بيانا عن أولويتهم في البيت، فعملهم مؤقت ولا يمكن أن يتم في غير هذا المكان، ومع ذلك نجد أن الطائفين يحشرون حشرا في المطاف ويضايقهم فيه المصلين، أما آن الأوان لتفريغ المطاف من المصلين، بحيث يخصص في أوقات الزحام (مثل أيام الحج ورمضان) للطائفين فقط، ويمنع المصلين من الصلاة فيه.
وبالاعتبار نفسه نجد أن الطائفين بالعربات في الدور الأول يعانون معاناة حقيقية من ازدحام ممر العربات، إضافة إلى طول المسافة، حيث الشوط الواحد يعادل سبعة أشواط في المطاف، أما آن الأوان توسيع ممر العربات في الدور الأول، بحيث يشمل ثلاث أو أربع عربات معاً.
أعتقد أن الحل الأمثل، الذي يمكن أن يقضي على مشكلة العربات في المطاف بشكل نهائي، هو عمل سير متحرك فوق المصابيح العثمانية، بحيث لا يحتاج الطائف إلى أكثر من كرسي عادي للجلوس عليه ، ويطوف به السير، أو يمشي مع السير فتقصر عليه المسافة، فما الفرق بين الطواف على السير أو الدفع بالعربية؟
الحاجات البيولوجية للبشر واحدة داخل الحرم أو خارجه، ولكن دورات المياه بوضعها الحالي تحتاج إلى إعادة نظر، فلكي يصل الزائر إلى دورة المياه قد يستغرق منه ذلك نصف ساعة، وفي بعض الأحيان قد لا يستطيع الوصول نهائيا إلى دورة المياه قبل فوات الأوان، مثل ساعات الصعود إلى السطح أو أوقات الذروة في الصلاة، خاصة للأطفال أو كبار السن.
من الملاحظ كثرة رجال الأمن في داخل الحرم والساحات الخارجية، وهذا مؤشر جيد على الاهتمام بالتنظيم، حيث إن الدور الأكبر لهم هو في تنظيم الساحات ووجود الممرات بالشكل المطلوب لتسهيل عمليات تنقل الزائرين، ولكن يلاحظ أن المفترشين لطرقات المشاة في السطح وداخل الحرم أكبر من قدرة الجهات التنظيمية، حيث تجد المصلين يتكدسون عند الأبواب ويغلقون المداخل ويغفلون عن السعة في الداخل، كما أن تنظيم الخروج من السطح غير موجود نهائيا، والمشكلة الأكبر في عدم معرفة كثير من رجال الأمن منطقة الحرم، حيث عايشت قصصا مضحكة مبكية عند سؤال بعضهم والاستفسار عن باب معين أو فندق أو شارع أو سوق .. إلخ.
أخيرا .. أسأل الله للجميع السلامة، ولكن تخيلوا معي لو أن حريقا شب في الحرم في وقت صلاة التراويح أو خلال ليلة 27 أو عند امتلاء الحرم بالطائفين في أيام الحج ـ لا سمح الله ـ كم سيبلغ عدد الضحايا؟ وما الخسائر التي ستحدث؟ هل لدى رئاسة الحرمين خطة للطوارئ؟ هل لدى الدفاع المدني إمكانية للتدخل؟ أسئلة كثيرة لا أجد لها إجابة، خاصة أن تصميم الحرم وطريقة بنائه تمت كقلعة عصية وكحصن متين وكأننا نتجهز فيه للتحصن كما في العصور الوسطى، فهل أبواب الحرم ومخارجه قادرة على استيعاب الطوفان البشري في الأوقات الاعتيادية حتى يمكن التعامل فيها مع حالات الازدحام والطوارئ؟ أرجو ألا نتجهز لمثل هذه الطوارئ، بعد فوات الفوت وحصول الكارثة، ولكن أذكر فقط أن نوح ـ عليه السلام ـ بنى السفينة قبل الطوفان.
وللحديث بقية.