هل نحول التعلم والتعليم إلى «ذكي»؟

|


تمثل المدرسة مجتمعا مصغرا بالطلاب والمعلمين والهيئة الإدارية كافة. ومع ما يوجد من تشابه وقواسم مشتركة تتمثل في الدين واللغة والثقافة العامة، إلا أن هناك تباينا واختلافات مردها ظروف التنشئة والخلفية الخاصة، الناجمة عن المنطقة أو المستوى التعليمي لأفراد الأسرة، إضافة إلى المستوى الاقتصادي؛ لما له من أثر في القدرة على توفير مصادر الثقافة، كالكتب والمجلات والأجهزة غالية الثمن. كما أن المدرسة بنظامها والاختلاف في الأعمار، إضافة إلى خلفية الأفراد - التي أشرنا إليها - تمثل مصدر تأثير أساسي يكسب قيما واتجاهات وميول ومعارف وسلوكيات ذات طبيعة إيجابية أو سلبية، ما يجعل المدرسة محط أنظار وثقة المجتمع بكامله؛ لما تمثله من أمل للأسر كافة، التي تتطلع إلى مستقبل أفضل لأبنائها.
متى ما نجحت المدرسة في تحقيق طموحات أبنائها، أو ما يؤمله الأهل في الأبناء؛ زادت الثقة بالمدرسة، والعكس صحيح، كلما أخفقت في مهمتها؛ زهد الناس في المدرسة، وأصبحت محل نقد لاذع، وصوبت إليها السهام من كل جانب، حتى إنه في كثير من المجتمعات في عدد من الدول، ظهرت المدارس الخاصة غالية الرسوم، التي لا يدخلها إلا أبناء الأسر الثرية، وكأن المجتمع وفق هذا السياق يصنف أبناءه حسب دخول أسرهم، ما يمثل رسما لمستقبل الأسر على افتراض أن الأبناء يسيرون على خطى آبائهم لتسنم المناصب العليا في الوظائف العامة، والشركات العملاقة.
في الغرب، مثل بريطانيا وفرنسا وأمريكا، وغيرها من الدول، توجد عائلات ذات ثراء فاحش، وتسيطر على أنشطة اقتصادية عالية، فعائلة روكفلر برزت في الأنشطة المصرفية، وعائلة فورد في صناعة السيارات، وعائلة كيندي برزت في المجال السياسي. لذا، تحرص على تدريس أبنائها في مدارس خاصة، قوية، منذ الروضة ما يؤهلهم للالتحاق بجامعات ذات سمعة كبيرة، ويتخصصون في القانون والطب والهندسة والسياسة والإدارة، حتى تحول هذا الشيء إلى ما يشبه التقليد.
الكليه الملكية العسكرية البريطانية، كلية عريقة يلتحق بها ما يمكن تسميتهم نخبة المجتمع. ليس البريطاني فقط، بل من دول أخرى يتم تهيئتهم ليكونوا قياديين في أوطانهم، وذلك لما تتمتع به من نظام تربوي جيد، وتقاليد عسكرية، وطريقة تفكير تسهم في تحقيق الأهداف المرجوة، وقد تخرج فيها عدة أفراد من دول الخليج العربي.
التعويل على المدرسة لتحقيق الطموحات وحل المشكلات، أمر حتمي في كل المجتمعات، وهذا دورها الذي أوجدت من أجله، مع ما يواجه هذه المهمة من صعوبات وتحديات جمة، ليس أقلها الطفرات التقنية الهائلة، والتطور في نظم وأساليب وطرق التدريس، إذا لم تكن المدرسة مهيأة لمسايرة المستجدات، وهذا ما تخفق فيه بعض المدارس في بعض الدول التي لا تقيم وزنا للمدارس، بل تتعامل معها باعتبارها موضوعا هامشيا.
عندما صدر قرار مجلس الوزراء بشأن نظام الآداب العامة، والمحافظة على الذوق العام، كتبت مقالا في هذه الزاوية عن الموضوع، ومن التعليقات والاقتراحات التي قرأتها حول الموضوع، اقتراح وضع مادة دراسية بمسمى "مادة الآداب العامة"، ولي وقفة مع هذا الاقتراح، فلا أرى وجاهته ما لم تتغير أساليب وطرق التعليم والتعلم. ولنا في المملكة سابق خبرة مع مادة التربية الوطنية، التي تشكل محتواها من موضوعات خليط من مواد أخرى، اجتماعية ودينية، لكن لعقم طرق التعليم والتعلم فشلت المدرسة في تحقيق أهداف المادة، والسبب في ذلك يعود إلى التركيز على عملية الحفظ - رغم أهميته في بعض المواضع - دون التطبيق، وهذا ليس خاصا بهذه المادة، بل يوجد في كثير من المواد، وهو ما يفسر إخفاق البعض في المهمات التي توكل إليهم، فالمهندس والطبيب والمعلم والكهربائي والميكانيكي، كل هؤلاء وغيرهم يحتاجون إلى تطبيق وممارسة لتثبيت المعلومة واكتساب المهارة.
أختم المقال بما أثر عن الصحابة - رضي الله عنهم - أنهم في تدارسهم للقرآن يتعلمون عشر آيات، ثم لا ينتقلون إلى الأخرى إلا بعد أن يطبقوا ما ورد من معان وتعليمات في الآيات الأولى. فهل نستفيد من أسلافنا في منظومتنا التعليمية حتى لا يتحول طلابنا إلى حفاظ، دون فهم، ودون مهارة؟

إنشرها