ماذا عن .. الحكومة الهندية الجديدة

|


الحكومة الهندية الجديدة التي شكلها أخيرا ناريندرا مودي رئيس الوزراء بعد فوزه الساحق للمرة الثانية على التوالي في الانتخابات العامة التي أجريت في الفترة ما بين أبريل ومايو المنصرمين، لم تحمل كثيرا من التغييرات في الحقائب الوزارية فحسب، إنما حملت أيضا عدة مفاجآت، لعل أبرزها: منح حقيبة الشؤون الخارجية لواحد من ألمع الدبلوماسيين والتكنوقراط الهنود هو سابراهمانيام جيشانكار، بدلا من سوشما سواراج، التي كان متوقعا خروجها من التشكيلة الوزارية الجديدة بسبب متاعبها الصحية؛ ومنح حقيبة الداخلية لأميت شاه زعيم حزب بهاراتيا جاناتا، ربما تقديرا لجهوده الكبيرة في تحقيق النصر الكاسح لحزبه في انتخابات 2014 وانتخابات العام الحالي؛ وتعيين راجنات سينج وزير الداخلية السابق وزيرا للدفاع بدلا من نيرمالا سيتارامان، التي أعطيت حقيبة المالية، وهي حقيبة كان يشغلها في الحكومة السابقة أرون جيتلي السياسي المخضرم؛ وخروج مانيكا غاندي، المنشقة على أسرة نهرو/غاندي التي شغلت مناصب وزارية في أربع حكومات مختلفة شكلها حزب بهاراتيا جاناتا، كان آخرها منصب وزيرة شؤون تنمية المرأة والطفل، من التشكيلة التي تضم ست وزيرات من أصل 77 سيدة ممثلة في البرلمان المكون من 545 مقعدا. وقد خلفتها في وزارة شؤون تنمية المرأة والطفل سمريتي إيراني وزيرة الإعلام والاتصالات السابقة، التي فاجأت الهنود بفوزها بمقعد زعيم حزب المؤتمر راهول غاندي في دائرة "أميتي" التي ظلت لعقود قلعة حصينة لأسرة نهرو/غاندي.
أما بالنسبة إلى المسلمين، فإن تمثيلهم في الحكومة الجديدة اقتصر على مختار عباس نقفي عضو مجلس الشيوخ الذي عين وزيرا لشؤون الأقليات، وهذا في الواقع يتماشى مع نسبة تمثيلهم في البرلمان الاتحادي التي راحت تتضاءل عاما بعد عام؛ بسبب تشرذمهم وخلافاتهم وتقاعسهم عن المشاركة الجادة في الانتخابات العامة من جهة، ومنح أصواتهم لمرشحي حزب المؤتمر والأحزاب الجهوية الصغيرة من جهة أخرى، ودليلنا هو تراجع عدد مقاعدهم البرلمانية من 49 مقعدا في سنة 1980 إلى 26 مقعدا في عام 2019، على الرغم من تضاعف ثقلهم السكاني من 68 مليونا سنة 1981 إلى 172 مليون نسمة سنة 2011.
وفي اعتقادنا أن اختيار جيشنكار "64 عاما" لقيادة الدبلوماسية الهندية في المرحلة المقبلة، التي ستواجه فيها نيودلهي خيارات صعبة في كيفية التعامل مع واشنطن وبكين وطهران وإسلام أباد وموسكو، اختيار صائب وذكي من قبل مودي، لأسباب وعوامل عديدة؛ فالرجل الذي رصدته عينا مودي خلال زيارته واشنطن سنة 2014 حينما كان يعمل سفيرا لبلاده لدى الولايات المتحدة، فاختاره في العام التالي 2015 وكيلا لوزارة الخارجية، عرف بأنه دبلوماسي محترف ومفاوض شرس وصاحب خبرة طويلة تراكمت من عمله كسفير لبلاده في واشنطن وبكين وبراغ، ناهيك عن خبرته وتخصصه في اللغة الروسية وحيازته درجة الدكتوراه من جامعة جواهر لال نهرو العريقة، وتدربه على أمور التحليل الاستراتيجي والشؤون الدولية منذ صغره على يد والده الذي عمل لسنوات طويلة معلقا للشؤون الاستراتيجية، واستفادته المتعمقة من أعمال سانجاي أخيه المؤرخ صاحب المؤلفات العديدة في التاريخ القديم والحديث، واستفادته من عمله سكرتيرا صحافيا لشانكار دايال شارما رئيس الجمهورية الأسبق الذي تولى رئاسة الجمهورية ما بين 1992 و1997.
ولعل من صور براعته الدبلوماسية، نجاحه في تحسين علاقات بلاده بمملكة النيبال من خلال إشرافه على الدعم الإغاثي السخي الذي قدمته الهند لجارتها الجبلية الفقيرة على إثر زلزال عام 2015 المدمر، واستثمار قدراته التفاوضية في إقناع دول كبرى بانضمام الهند إلى مجموعة الدول المتحكمة في تصدير المعدات والتقنيات الخاصة بصناعة الأسلحة النووية لضمان عدم انتشارها، هذا علاوة على نجاحه في نزع فتيل مواجهة عسكرية كانت على وشك الوقوع بين بلاده والصين في عام 2017 بسبب تسلل الصينيين إلى أراض تابعة لمملكة بوتان الصغيرة، التي تعدها الهند ضمن نطاق منطقة مصالحها الاستراتيجية.
عدا ما سبق، اضطلع وزير الخارجية الجديد في عهد سلفه سوشما سواراج بأمور تطوير وتوسعة آفاق علاقات الهند بدول الشرق الأوسط، التي تستخدم نيودلهي مصطلح "دول غرب آسيا" في تسميتها، ولهذا فإنه مطلع بصورة عميقة وجيدة على ملف العلاقات الهندية ــ العربية بصفة عامة، وملف العلاقات الهندية ــ الخليجية بصفة خاصة.
وبسبب نجاحاته وألمعيته وخبراته الدبلوماسية مددت الحكومة الهندية بقاءه في الخدمة حينما حان موعد تقاعده، كما منحته في يناير 2019 وسام "بادما شري" الذي يعد رابع أرفع وسام يقدمه رئيس الجمهورية سنويا للمبدعين الهنود في المجالات المختلفة. وحينما تقاعد عن العمل الدبلوماسي اختطفته مجموعة تاتا الهندية العملاقة وعينته رئيسا لعملياتها الدولية للاستفادة من علاقاته الخارجية ومراسه المعروف في التفاوض، لكنه عاد الآن على رأس الدبلوماسية الهندية.

إنشرها