قوة الاقتصاد السعودي ومستقبله

|


اختتم خبراء صندوق النقد الدولي مناقشاتهم مع عدد من الجهات الحكومية السعودية والقطاع الخاص كجزء من أعمال الصندوق الإجرائية وفقا لما تقتضيه المادة الرابعة من اتفاقية الصندوق. ومنذ أيام صدر البيان الختامي لهذه الزيارة ونتائج المناقشات التي توصل إليها خبراء الصندوق بشأن مسار الاقتصاد السعودي. لقد جاء رأي الخبراء الاقتصاديين إيجابيا بشأن وضع الاقتصاد السعودي حاليا ومساره في المستقبل، وهو رأي مقدر تماما لأنه يأتي من جهة دولية مستقلة عن الجهاز التنفيذي الحكومي وله اعتبار في المؤسسات والأسواق المالية العالمية، ولهذا نهتم به. لكن المسألة ليست بسهولة إبداء رأي فني محايد بشأن حالة الاقتصاد السعودي، فمن يراقب من الخارج ليس كمن يصنع الحدث في الداخل، والسعودية لم تكن دولة متعثرة اقتصاديا، بل على العكس تماما، فالتنمية التي تحققت في العهد السعودي الزاهر منذ وحدها المؤسس، لم تتحقق في أي بلد آخر في العالم في هذا الوقت القياسي، وهذا يشهد به كل الخبراء ومنظرو الاقتصاد في العالم، لكن المملكة في هذه المرحلة الراهنة تمر بتحول استراتيجي مهم، فـ"رؤية 2030" مع جميع برامجها تضع الاقتصاد السعودي في مسار مختلف تماما عن كل ما اختطه لنفسه طوال ما يقرب من نصف قرن مضى، وعشر خطط للتنمية.
"رؤية المملكة 2030" تضع النفط على منصة جديدة ضمن مشروع إعادة هيكلة المالية العامة ومواردها، وهو المشروع الضخم الذي لم يتحقق منذ أكثر من نصف قرن وكان بحاجة إلى تشريعات واسعة، وعمل جبار من كل مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية، مع عمل جاد ومراقبة صارمة لتحييد الأثر السلبي لمثل هذه التشريعات، سواء على الأفراد والأسر أو على المنتجين في جميع أركان الاقتصاد السعودي، فقد كان يجب إصلاح منظومة الدعم وتصحيح أسعار الطاقة وإيجاد بدائل لدعم الأسر مباشرة وفرض ضرائب نوعية عند مستويات مقبولة في مجتمع لم يتعود على مثل هذا النوع من الإجراءات، والتجربة الإدارية محدودة، ومع ذلك مضت المملكة بهدوء واتزان في هذه الإجراءات رغم أنها في ظروف غير مواتية مع أسعار النفط التي أخذت مسارات هابطة ومرعبة. ولذا، فإن إشادة خبراء صندوق النقد بما آلت إليه الأمور اليوم هي إشادة مراقب لم يدخل معترك التحول ويسابق عجلة الزمن لإنجاز مشاريع لو تأخرت عن موعد استحقاقها فقط لما تحققت كما هي عليه اليوم، وإذا كانت إشادة خبراء الصندوق تعد نتيجة إيجابية لكل ذلك الجهد بلا شك، لكن ما لم يقله الصندوق هو أنها تحققت بجهد وبراعة اقتصادية كبيرة.
لقد انتعش الاقتصاد غير النفطي بشكل واضح في المملكة، وزادت مشاركة النساء في سوق العمل، وزادت شفافية المالية العامة، كل هذه العناصر التي أشاد بها خبراء الصندوق نشعر بها كشعب ونراها واقعا ملموسا بين أيدينا، لكن ما لم يقله الصندوق ونشعر به اليوم تماما هو حجم الثقة بالقرارات الاقتصادية والتنظيمات التي تصدرها الدولة، فعندما بدأت الدولة قبل بضع سنوات مشروع التحول، لم يكن أحد يدرك حجم العمل المطلوب لتغيير وتعديل وإصدار التشريعات - تشريعات أنظمة جديدة وتشريعات إعادة هيكلة، وتعديلات على أنظمة قائمة - وهذا الكم الضخم من الإنتاج التشريعي أصاب البعض بالقلق، لكن مع ظهور النتائج اليوم بدأ الناس يثقون بهذه التعديلات وأنها كانت ضرورية ومهمة، ولذا أصبح لدينا اليوم مرونة عالية في تقبل التعديلات على الأنظمة القديمة التي لم تعد تواكب العصر، بل هناك مطالبات بالإسراع فيها أكثر. مثل هذه المشاعر الحماسية التي يعيشها المجتمع اليوم بشأن حالة التغيير الراهنة، لم يتطرق إليها صندوق النقد ولا خبراء الاقتصاد، وهي بذاتها إنجاز ضخم وكبير.
ما لم يقدمه تقرير خبراء الصندوق هو حجم الثقة بين المواطن والحكومة وتقبله القرارات التي تبين له أنها في المصلحة العامة، حتى لو بدت في مظهرها العام صعبة التغيير، أو مع تشويش أعداء الوطن لها والتشكيك فيها، خاصة أن بعضها يتطلب تغييرا في العادات والممارسات التي رسخت مع الزمن، سواء في الاستهلاك أو الادخار، كما تبين للمواطن أن الحكومة حريصة على أن يتم هذا التحول بسهولة دون التأثير في حياته ومصلحته، على أن الجميع يجب أن يغير من سلوكه الاستهلاكي باعتباره جزءا من المسؤولية الاجتماعية التي على الجميع. لقد ظهرت هذه المفاهيم العميقة في عبارات مقتطفة في تقرير الصندوق وهو يشيد بسلوك المواطن السعودي في استهلاك الطاقة واستجابته لدعوات الحكومة في ذلك وتقبله الإصلاحات التي تسير في هذا الإطار، وبقدر أهمية هذه الإشارة في التقرير بقدر أنها لم تكن كافية لإظهار حقيقة التغيير والاستجابة الشعبية لمتطلبات المرحلة، وهو ما يعول عليه متخذ القرار في التوجهات المستقبلية والاستفادة من زخم النجاح الحالي لتحقيق "رؤية المملكة 2030".

إنشرها