التلاعب بالعملات ومواجهات بالغرامات الغليظة

|


اعتادت السلطات التنظيمية المالية في الاتحاد الأوروبي توجيه التحذيرات تلو الأخرى للمؤسسات المصرفية الأوروبية وغيرها، من مغبة تجاوز القوانين المتبعة، بما في ذلك التلاعب بالعملات. وهذه القوانين شددت بصورة كبيرة في أعقاب انفجار الأزمة المالية العالمية في عام 2008 التي تحولت إلى أزمة اقتصادية دولية. فالحكومات في أوروبا وغيرها، أقدمت على سن قوانين صارمة تفرض رقابة مشددة على العمل المصرفي ككل، ولا سيما الجانب الخاص بتداول العملات. وأعلنت السلطات الأوروبية مرارا إنذارات شفوية لعدد من المؤسسات المالية، بعد أن وجدت مخالفات في عملها بشكل عام، بما في ذلك الممارسات الخاصة ببيع وشراء العملات. ولهذه المؤسسات أسماء معروفة، ومن المصارف الأكبر على مستوى العالم.
من هنا، يمكن النظر إلى الغرامات الكبيرة التي فرضتها سلطة مكافحة الاحتكار في الاتحاد الأوروبي على خمسة مصارف من بينها "باركليز" و"ستي جروب" و"جي بي مورجان" وغيرها. وهذه الغرامات فرضت بعد أن تم التثبت من تواطؤ هذه البنوك في سوق صرف العملات الأجنبية الضخمة، بالمشاركة في تكتلات احتكارية للتداول الفوري للعملات الأجنبية. والتداول الفوري هو تداول العملة الذي يتم تنفيذه في اليوم نفسه بسعر الصرف السائد، ما ينتج عنه مساحات واسعة للتلاعب من قبل هذه الجهة أو تلك، بل ومن أفراد أيضا يتعاملون في السوق. لكن الغرامات استهدفت المصارف لأنها جهات اعتبارية لا يمكن السماح لها بالمخالفات في أي جانب من العمل المصرفي، ولا سيما في أعقاب الإصلاحات التشريعية التي فرضت عليها في أعقاب الأزمة العالمية.
الغرامات التي فرضت وصلت إلى 1.2 مليار دولار، وجمعت إضافة إلى المصارف الثلاثة المشار إليها "رويال بنك أوف اسكوتلاند" و"إم يو إف جي" الياباني. واللافت أن المصارف نفسها من جنسيات مختلفة، وكانت في السابق قد تعرضت لغرامات لأسباب عديدة من التلاعب بالعملات، وبعض هذه المصارف غرمت بسبب عمليات غسل أموال تمت عبرها، بل والتعامل من منظمات موضوعة على قائمة الإرهاب الأمريكية. أي أن المصارف المشار إليها ليست جديدة عن الغرامات. و"باركليز" - مثلا - يشهد محاكمة أربعة مسؤولين سابقين له في لندن، بسبب رشا كبيرة جدا قدمها لوزير الخارجية القطري السابق حمد بن جاسم، فضلا عن مشاكل مر بها في السابق على الساحة البريطانية.
المهم أن السلطات الأوروبية تفرض أقوى العقوبات الممكنة على هذه المصارف، وحذرتها من مغبة مزاولة هذه السلوكيات التي تعد مشينة، بما في ذلك استخدام غرف التواصل الإلكترونية التي كانت "الساحة" الرئيسة في عمليات التلاعب بالعملات في السوق الفورية. وأعلنت عبر مسؤولين لها، أنها لن تتهاون مع هذا السلوك التواطئي في أي قطاع من السوق المالية. وبالفعل، تسعى المفوضية الأوروبية إلى دعم النزاهة في القطاع المصرفي وإيصالها إلى أعلى مستوى ممكن بعد عشر سنوات من انفجار أزمة عالمية كبرى كان سببها المباشر المصارف نفسها. كما أن السلطات المالية الأوروبية، تضع مصلحة المستهلكين على رأس أولوياتها، خصوصا أن هناك مؤسسات ضمن الاتحاد الأوروبي تفرض أعلى المعايير لحماية المستهلك، ولها دورها المؤثر في الحكومات الأوروبية المختلفة.

إنشرها