التخطيط المالي والتحديات الكبرى

|


لن تعالج البطاقات الائتمانية تحديات التقاعد المالية، التي أصبحت تجيد خطف المتقاعدين وهم شباب – بحيويتهم ونشاطهم – ولكنهم وظيفيا يرون أنفسهم في مرحلة ما بعد الختام. ولن تحل القروض الاستهلاكية مسائل كبرى مثل الحصول على مسكن أو تأمين دراسة الأبناء أو المحافظة على أسلوب معيشة حظي به الفرد في مرحلة معينة من حياته. لا يمكن حصر التحديات المالية، ولكن هناك مبدأ سائد تدعمه الدراسات، وهو أن الثقافة المالية الجيدة تجعل واقع الفرد أفضل في مواجهة هذه التحديات. محليا، هناك مزيج مختلف من هذه التحديات.
أول هذه التحديات يرتبط بطبيعة التعلم المالي، حيث إن نتائجه تأتي على المدى البعيد. فالبرامج الجيدة التي تبدأ اليوم ستنفع جيل المتقاعدين بعد 30 أو 40 عاما. لذا لدينا هنا مشكلة مع جيل افتقد أثناء تأسيسه كثيرا من الأسس الاقتصادية والمالية والشخصية التي تكفل له التعامل مع شؤونه المالية بشكل معقول. قد يكون الحل في برامج مختصرة ومسرعة، ولكن حتى هذه لم يثبت بعد قدرتها على تغيير الواقع أو تجهيز الأفراد بشكل يمكنهم من التعامل مع تحديات حياتهم. لا نريد الانتظار أكثر، لابد أن تنطلق برامج التعليم المالي على جميع الأصعدة، ولكننا بحاجة إلى حلول تعليمية خاصة لمعالجة فئات محددة تساعدنا على التجسير إلى المستقبل المنشود. لا ننسى أن متقاعدي اليوم ومتقاعدي العقد القادم والذي بعده يشكلون البيئة التي ينشأ فيها متقاعدو المستقبل الأبعد.
من التحديات الكبرى كذلك ما يرتبط بتنوع الخيارات المالية والاستثمارية المتاحة للجمهور، وليس للمؤسسات أو كبار المستثمرين. النظر هنا للأفراد باعتبار أنهم الكم المؤثر مجتمعيا وتنمويا. وتنوع الخيارات لا ينحصر في تنوع المنتجات أو تنوع فئات الأصول أو مستوى مخاطرها، كلا. نحن هنا نتحدث عن العمق والنضج في أكثر من سوق، السوق المصرفية وخياراتها، ومثلها السوق التأمينية والتمويلية والاستثمارية. وهذا يعني منافسة جيدة وتنوعا في كفاءة الخدمات والتكلفة، وسهولة الوصول إلى هذه الخدمات ومعرفة الناس لها، وثقتهم بها، وقدرتهم على التفاعل معها بشكل عادل ومنتج. أن تجد شخصا بثقافة مالية جيدة، وسوقا تظهر على الورق بأنها متنوعة، ولكن هذا الشخص لا يثق بالسوق فهنا لديك مشكلة. غياب الثقة والحوافز مدمر لأي اقتصاد، وهو كذلك عامل مثبط للتخطيط المالي الجيد.
من يتابع الواقع المحلي يجد أن التغيرات كثيرة ومثيرة: حوافز لمنتجات جديدة، دعما لبرامج تعليمية وتربوية مالية، ومشاريع مبتكرة ذات علاقة. لكن في الحقيقة من الصعب الحكم على سرعة ونجاح هذه الأنشطة، وهل أنها متزامنة مع الاحتياج وتستجيب له بشكل مناسب أم لا؟ أعتقد أن التعمق في واقع السلوكيات المالية يجد أن معالجتها صعبة كصعوبة فهمها، فواقعنا مختلف عن 20 عاما سابقة. وهذا التغير السريع يجعل التنبؤ بالمستقبل أصعب ويصعب علينا التأكد من أن الحل الذي نتداوله هو الأفضل. في كل الأحوال، أرى أن التعمق ضروري على مستوى الفئات المجتمعية حسب: دخلها، جنسها، موقعها، وعمرها،.. إلخ. وربما تحليل المشكلات حسب تطورها، ربما يختلف العلاج إذا تمكنا من تقسيم المجتمع إلى فئات تختلف حسب قابليتها للعلاج، فهناك من يقاوم التغيير، وهناك من يبحث عنه. كلما تعمقنا في فهم الواقع ظهرت لنا حقائق جديدة، وتبينت تبعا لذلك حلول مناسبة يمكن تنفيذها بشكل مباشر لتلك الفئة. ربما هذا العمق الذي لم يتبنه أحد حتى اليوم، على الرغم من ظهور أكثر من جهة تضع نفسها بالقرب من جوانب التخطيط المالي الفردي. هيئة مستقلة؟ نعم، أبحاث ودراسات؟ نعم، حلول وتشريعات؟ بكل تأكيد، وبأسرع وقت ممكن. من الظلم أن نحصر التخطيط المالي للأفراد وترويج الثقافة المالية الإيجابية في برنامج للمسؤولية الاجتماعية أو مجرد مبادرة تنفذها جهة حكومية، إنما هو هدف وطني استراتيجي تقوم به إنتاجية الفرد ورفاهيته، وهذا هو الاهتمام الذي نصت عليه "الرؤية" في ثناياها.

إنشرها