كيف أنهكت «تشوهات العقار» القطاع الخاص؟

|


تدرجت مناقشة "كيف للقطاع الخاص أن يخفض البطالة"؟ طوال المقالات الثلاثة السابقة، وخلصت إلى أن القطاع الخاص يواجه في طريقه نحو تحقيق النمو والاستقرار، بما يؤهله لمساهمة ملموسة على مستوى تنويع قاعدة الإنتاج المحلية وخفض معدل البطالة وغيره من التطلعات التنموية المشروعة، أربعة تحديات كبرى؛ (1) التستر التجاري (2) تشوهات السوق العقارية (3) سيطرة العمالة الوافدة على وظائفه (4) الاعتماد المفرط للقطاع الخاص على الإنفاق والتحفير الحكومي.
تركز الحديث في المقال السابق على التحدي الأول "التستر التجاري"، ويأتي الدور الآن للحديث عن التحدي الثاني "تشوهات السوق العقارية"، وسيستكمل الحديث - بمشيئة الله تعالى - حول التحديين الثالث والرابع، وصولا إلى فكرة نهائية ممكنة وقابلة للتحقق، تستهدف القضاء أو الحد - على أقل تقدير - من مخاطر تلك التحديات تجاه القطاع الخاص. ولا ننسى هنا؛ أن التحديين الأول والثاني كان القطاع الخاص قد وقع ضحية لهما، فيما وُجد أنه كان الجاني فيما يتعلق بالتحديين الثالث والرابع.
الذي يقتضي بدوره أن تبادر الأجهزة الحكومية ذات العلاقة بسرعة التدخل في القضاء على التحديين الأول والثاني "التستر التجاري، وتشوهات السوق العقارية"، فيما تقع مسؤولية معالجة التحديين الثالث والرابع "سيطرة العمالة الوافدة، والاعتماد المفرط على الحكومة" على كاهل منشآت القطاع الخاص نفسها، قبل أي طرف آخر خارج دائرته.
بدأ الحديث حول ما تحمله "تشوهات السوق العقارية" من أعباء باهظة على كاهل القطاع الخاص، بأن عوائدها القياسية اجتذبت دون أدنى منافسة الحصة الأكبر من الأموال والمدخرات، سواء باكتنازها في مجرد أراض بيضاء دون أي تطوير أو تكلفة، أو بتدويرها في مضاربات محمومة على الأراضي، لتسقط أمام الأرباح الطائلة لاكتناز الأراضي والمضاربة عليها بقية خيارات الاستثمار في الفرص الاقتصادية والاستثمارية! الذي أضعف كثيرا من تدفقات الأموال إلى القطاع الخاص، وأبقى مصادر تمويلها بمختلف أشكاله شحيحة إلى حد بعيد جدا، ولا مقارنة هنا بين عوائد قياسية تتحقق من مجرد امتلاك أرض أو المضاربة عليها، دون أي أعباء أو تكاليف أو جهد يذكر، قد تتجاوز بحد أدنى عشرة أضعاف العوائد الممكن تحققها في القطاع الخاص خلال عام واحد فقط.
كما انعكس التضخم الهائل في أسعار الأراضي والعقارات والإيجارات الناتج بدرجة كبيرة عن تجذر تلك التشوهات في سوق العقار، أقول انعكس سلبيا على أداء وربحية منشآت القطاع الخاص، التي أدت إلى ارتفاعات متتالية في تكاليف التشغيل والإنتاج، وجاءت لحظة الاصطدام مع مرحلة زمنية اجتمع فيها ارتفاع الرسوم التنظيمية العديدة، مع انخفاض إيرادات تلك المنشآت، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد إلى تحمل منشآت القطاع الخاص آثار إصلاح أسعار استهلاك الطاقة، ما أضعف كثيرا من حظوظ تلك المنشآت في النمو والاستقرار، وأضعف بالتأكيد من قدرتها على زيادة توظيفها العمالة الوطنية.
بالنظر فيما تقدم من متغيرات طرأت على بيئة القطاع الخاص، سنجد أن لكل متغير منها ما يبرر له اقتصاديا وماليا أو من حيث ضرورة الإصلاحات الهيكلية للاقتصاد الوطني، إلا متغيرا واحدا لا يوجد له أي مبرر بأي حال من الأحوال؛ هو المتعلق بالتضخم غير المبرر لأسعار الأراضي والعقارات وإيجاراتها، الناتج كما سبقت الإشارة إليه عن تشوهات "احتكار، ومضاربة" أصبحت أهدافا واضحة المعالم، أمام مشروع "رؤية المملكة 2030"، تسعى جاهدة إلى القضاء عليها، والتخلص تماما من أسباب وجودها واستدامتها.
لقد تسببت تشوهات السوق العقارية المحلية، وما نتج عنها من تضخم هائل وغير مسبوق في الأسعار السوقية لمختلف الأصول العقارية، تبعه تضخم كبير آخر على مستوى تكلفة إيجارات تلك الأصول العقارية، في أن تتحول برمتها إلى أحد أكبر العوائق في طريق النمو الاقتصادي بشكل عام، جاءت وطأتها أشد وأقسى على كاهل منشآت القطاع الخاص، وامتد أذاها إلى أن أصبحت سدا منيعا في وجه أي بوادر لتحسن الأوضاع المعيشية للأفراد والأسر.
كما تحولت السوق العقارية بما تعانيه من تشوهات عميقة، لم تظهر حتى تاريخه ثمار إصلاحاتها كما كان مأمولا، نظرا إلى تأخر بعضها "رسوم الأراضي البيضاء" على وجه الخصوص، أؤكد أنها تحولت إلى فوهة عملاقة جدا امتصت أغلب فوائض ارتفاعات أسعار النفط خلال فترة ارتفاعه، ولا تزال تتمنع بصلابة شديدة عن رد جزء من تلك المكاسب الهائلة خلال الفترة الراهنة، التي تشهد انخفاض أسعار النفط، وتراجع معدلات الإنفاق ومستويات السيولة، عدا ما تشهده من دخول قطاعات الاقتصاد الوطني كافة في عمليات إصلاح واسعة جدا، لا يأبى على الخضوع لها إلا السوق العقارية، مستندة بالدرجة الأولى في ذلك إلى بطء تقدم مراحل تطبيق نظام الرسوم على الأراضي البيضاء، التأخر الذي عزز كثيرا من مناعتها تجاه عمليات الإصلاح الاقتصادي العملاق، الذي تقوده "رؤية المملكة 2030".
كل هذا حرم الاقتصاد الوطني بشكل عام، والمجتمع ومنشآت القطاع الخاص على وجه الخصوص، جاء حرمانه سابقا من الاستفادة من عوائد ارتفاع أسعار النفط، والحرمان خلال الفترة الراهنة من الاستفادة من إيجابيات الإصلاح الاقتصادي القائم الآن. لتحافظ بذلك تشوهات السوق العقارية المحلية على دورها العكسي تماما في: (1) التسبب في حرمان الاقتصاد والمجتمع على حد سواء من أغلب عوائد ارتفاع أسعار النفط والإنفاق الحكومي سابقا، ومن ثمار الإصلاح الاقتصادي خلال الفترة الراهنة. (2) ولم تكتف بذلك الحد؛ بل تجاوزته إلى إلحاق كثير من الأضرار بمقدرات الاقتصاد الوطني، وزيادة كبيرة في تعقيد الأوضاع المعيشية لأفراد المجتمع "غلاء المعيشة"، وزيادة مماثلة أو أكبر في تكاليف الإنتاج والثقيل على كاهل منشآت القطاع الخاص.
يشكل الغلاء الكبير لأسعار الأراضي والعقارات، وارتفاع تكلفة الإيجارات السكنية والتجارية على حد سواء، أحد أخطر العوائق أمام كل من منشآت القطاع الخاص وأفراد المجتمع من دون استثناء، وهنا تبرز الأهمية القصوى لتكثيف الجهود الحكومية في خضم هذه المواجهة، تحديدا في مسار الضرورة التنموية والاقتصادية والاجتماعية للعمل بشكل أقوى وأكثر تكاملا نحو خفض الأسعار المتضخمة حتى تاريخه للأراضي والعقارات، وتكلفة إيجاراتها السكنية والتجارية على حد سواء.
من أهمها وأبرزها؛ ما تأكد لدى منشآت القطاع الخاص من مواجهة بالغة التعقيد لكثير من التحديات المرتبطة بالإصلاحات الهيكلية للاقتصاد الوطني، التي تلتقي أغلبها عند ارتفاع كثير من بنود التشغيل والإنتاج "رسوم العمالة والبلدية وغيرها من الرسوم، أجور العمالة الوطنية، تكلفة استهلاك مصادر الطاقة، ضريبة القيمة المضافة، ضريبة الدخل على الطرف الأجنبي... إلخ"، وهي الإصلاحات الاقتصادية البالغة الأهمية لأجل الانتقال بالاقتصاد الوطني إلى الوضع المستهدف له وفقا لـ"رؤية المملكة 2030" التي ستضعه على أرض أكثر صلابة وثباتا واستقرارا بعيدا عن الاعتماد المفرط الذي كان عليه طوال عقود طويلة مضت، وتؤهله فعلا لزيادة الإنتاج وتنويع قاعدته الإنتاجية، ويعد القطاع الخاص هنا هو العصب الأهم والأكبر لنجاح هذا الهدف الاستراتيجي، والمعول على اطلاعه بتلك المهام والمسؤوليات التي لا يقبل النقاش حولها. والله ولي التوفيق.

إنشرها