رسالة في عوائد صغار المستثمرين

|
عندما أقول صغار المستثمرين فإنني أعني بذلك حجم الاستثمارات، فهناك استثمارات كبيرة ومستثمرون كبار وفقا لها، وهناك استثمارات صغيرة ومستثمرون صغار وفقا لها، ومهما كان المبلغ الذي بحوزتك صغيرا فإنه يمكن استثماره، وهذا المقال يمثل رسالة مختصرة إلى أولئك الذين يعتقدون أن عوائد الاستثمار يجب أن تكون كبيرة، أو أولئك الذين يرون أن الاستثمار يعني الثراء، وينخدعون بإعلانات الوهم. أفضل الاستثمار هو الذي يحقق عوائد هذا لا شك فيه، ولكن هذه العوائد الجيدة تتصف بأمرين معا، الأول أن تكون أكثر من العائد الذي تمنحه المصارف في صناديقها المختلفة، فإذا كان أفضل عائد ممكن على ما في حوزتك من مبلغ هو 4 في المائة ويتحقق من الاشتراك في صندوق (أ) مثلا، فإنه يجب عليك البحث عن استثمار تقوم به أنت أو مع غيرك أعلى من 4 في المائة، أو عليك أن تختار طوعا لتعطي هذه الأموال إلى الصندوق وتتخلص من تكلفة إدارة أموالك. الأمر الآخر: لا تنظر إلى قلة العائد بقدر نظرك إلى استدامته، وهذا هو المحك الرئيس في هذا المقال. كثير من صغار المستثمرين ينظر إلى الاستثمار وكأنه الجنة الموعودة، أو هو مغارة علي بابا التي ستنقله إلى عالم الثراء والأثرياء، والسبب في هذا الاعتقاد الخاطئ جدا، هو عدم التفريق بين العمل كمنتج للثروة وبين الاستثمار كمنتج للعائد المستدام. الاستثمار ليس طريقا لتحقيق الثروات، بل هو في حقيقته للمحافظة عليها من خلال تحقيق عائد يمكن استهلاكه بانتظام، بينما يبقى رأس المال على حاله. فالمستثمر رجل كسول، يجعل أمواله تعمل بدلا عنه، ولهذا فإن الأموال بذاتها وبدون عنصري العمل والآلة غير منتجة للثروة، وكل ما سيحصل عليه المستثمر من استثماراته هو ذلك الجزء الصغير من الحصة التي وزعت بين عناصر الإنتاج المختلفة. وبمعنى أوضح فإن العوائد الكبيرة لا تتناسب مع الفكر الاستثماري، بل مع العمل الإنتاجي الذي يتم فيه دمج عناصر كثيرة من عوامل الإنتاج، وهذا يظهر مثلا في مصنع كبير تم ضخ أموال استثمارية على شكل رأسمال، إضافة إلى عنصر العمل والآلات والأرض والمنظمين، ولهذا تبدو عوائد الدخل كبيرة لكن عندما يبدأ التخصيص ويأخذ كل ذي حق حقه تظهر العوائد على الاستثمار معقولة، فالاستثمار يأخذ ما تبقى بعد توزيع الحصص، وفي أفضل الأحوال العادية فإن العوائد قد لا تتجاوز 10 في المائة. إذا يجب على المستثمر الصغير النظر إلى العوائد من استثماراته نظرة منطقية، فلا يحقر العائد من أي استثمار قام به في صندوق متخصص بينما هو يعمل في وظيفته العادية، بل إن هذا العائد إذا كان مستداما يعد أفضل بكثير من مغامرة خطرة، ولو كانت ذات عوائد كبيرة. ما أود أن أوضحه هنا، أن أفضل الاستثمارات هي التي تتسم عوائدها بالاستدامة مهما صغرت قيمتها، فالأسد مثلا قد يموت جوعا وهو يبحث عن وجبة تكفيه، فلا يشبعه إلا الوجبات الكبيرة، ويقال إن الديناصورات هلكت لأنها لم تجد ما يشبعها، بينما عاش منذ ذلك الحين ويعيش حتى الآن كثير من المخلوقات الصغيرة بأمان من الجوع، ذلك لأنها تأكل القليل الذي يشبعها ويكون متوفرا دائما. في عالم الاستثمار فإن مخاطر موت الكبار هي أعلى بكثير من مخاطر موت الصغار فيه. البعض يخلط بين العوائد التي يحصل عليها رجل أعمال يمارس إدارة مؤسساته وبين هذا "التنظير"، حيث يبدو وكأن رجال الأعمال يحققون أرباحا غير عادية وكبيرة. هنا يجب أن أوضح الفرق بين "المستثمر" وبين "رجل الأعمال"، فليس بالضرورة أن يكون المستثمر رجل أعمال، ذلك أن رجل الأعمال يأخذ مقابل أعماله في الإدارة، ومنها اتخاذ القرارات الاستثمارية بنفسه، كما يأخذ حق تحمل المخاطر إضافة إلى عوائد الاستثمار، ولكن المستثمر فقط -أي ليس رجل أعمال- قد يكون موظفا أو متقاعدا - فلا يأخذ سوى الفائدة من استخدام الأموال "تكلفة رأس المال". وهكذا تبدو الرسالة، حافظ عزيزي المستثمر الصغير على مراكزك الاستثمارية حتى لو بدت لك عوائدها صغيرة، طالما أن هذه العوائد تتسم بالاستدامة، حافظ على أي مشروع شاركت فيه، أو قمت به وهو يحقق عوائد مستدامة ولو كانت صغيرة في نظرك. وإذا عرضت عليك فرص استثمارية بعوائد ضخمة، تأكد أنها فخ، لا تتخلص من عوائدك المستدامة من أجل وهم "مغارة" علي بابا. لا تصدق الإعلانات التي تظهر لك موظفا صغيرا وقد اشترى قصرا بعد سنة، لا تصدق الإعلانات التي تظهر فتاة عادية وقد أصبحت تملك طائرة خاصة، هذا الذي تسوقه بعض المواقع الإلكترونية هو بيع "الوهم"، حتى لو ظهر لك أن بعضا ممن تعرفهم شارك وربح شيئا، لأن هذا الشيء الذي ربحوه لن يحقق الاستقرار الاقتصادي لهم ولأسرهم. ستمضي السنوات بعد عزيزي المستثمر الصغير وستكتشف أن أكثر الناس سعادة ليس الذين غامروا بكل مستقبلهم ومستقبل أسرهم، بل أولئك الذين استطاعوا توظيف كل ما لديهم وقدراتهم بأنفسهم من أجل دخل مستقر ثابت مضمون ولديهم أسرة آمنة مطمئنة، وخطط مستقبلية مرسومة بحرص.
إنشرها