كتابة بلا شحوم

|

في أول يوم لي في دراسة تخصص الصحافة وجه لنا أستاذ مادة الكتابة سؤالا مشوقا قال فيه: وجهوا خمس رسائل إلى زملائكم الكتاب، اكتبوا فيها قائمة بطلباتكم. فور أن فرغنا من كتابتها طلب منا أن نناقشها معا. وبعد أن انتهينا من الحوار حيالها قال كلمة لا أنساها: "احفظوا هذه الرسائل عن ظهر قلب. فما طلبته منكم اليوم سيطلبه منكم القراء غدا". وبعد سنوات من هذه الذكرى الجميلة رأيت أن أكتب قائمة محدثة لطلباتي من معشر الكتاب:
أولا: أريد أن أرى روحي تتدفق في كلماتك. أتصفح معاناتي وآلامي وأوجاعي وحتى أفراحي في فلك حروفك. أتوق أن أرى نفسي في كل كلمة، وهمزة، ونقطة، وفاصلة، تطرز فيها حروفك.
ثانيا: اكتب عن شيء تذوقته، واستشعرته، وارتشفته، وحتى تجرعته. حينها سأصفق لك، وأعجب بك، وربما أكون أحد أكثر جماهيرك إخلاصا. سأهتف باسمك في كل مكان. أمام زملائي وأصدقائي والعالم. الأشياء الحقيقية تشبهنا وتلامسنا. تتغلغل إلى داخلنا بلا استئذان.
ثالثا: أعد قراءة حروفك عشر مرات. في كل مرة ستبدو كلماتك أجمل. ستتخلص من الشحوم والمفردات الزائدة. ستظهر جملتك على نحو أكثر رشاقة ونضارة. كلما راجعت ما نثرته مرات عديدة ستبهرنا أكثر. لا تستعجل الانتهاء من نصك. امنحه وقتك وتفكيرك. الحروف المتألقة كالمرأة الأنيقة، لا نراها إلا وهي بكامل سحرها وعطرها. تختار ملابسها وتسريحتها باهتمام لتظفر بإعجابنا.
رابعا: قاوم كسلك وانشغالك. لن تصبح رياضيا بارعا دون أن تتمرن، ولن تصبح كاتبا مقروءا دون أن تكتب بسخاء. ليس بالضرورة أن تنشر، وإنما يجب ألا تتوقف. اكتب رسائل وقصائد وقصصا. المهم أن تكتب دائما حتى لا تفقد حسك التهديفي. هذا الحس لا يفقده المهاجمون فحسب، بل يفقده حتى الكتاب.
خامسا: جرب أن تجرب خطا جديدا ولونا جديدا. أعظم الروائيين لم يبدأوا بكتابة الرواية. انطلقوا مراسلين ومحررين وآل بهم الحال إلى أن أصبحوا أيقونات في حقل جديد زرعوا فيه بذور كلماتهم فأينعت وأثمرت. وحدها التجارب التي تجعلنا نكتشف ذواتنا. ربما تعرف إمكانات الجميع لكنك لا تعرف إمكاناتك. فلمَ لا تمنح نفسك الفرصة لتتعرف عليك؟.

إنشرها