مصر .. من «البركات الاقتصادية» إلى الواقع الاقتصادي

|
«قد يسمع الناس كلماتك، لكنهم بالتأكيد يشعرون بسلوكياتك». جون ماكسويل مؤلف خبير في قضايا القيادة مع عزل الرئيس المؤمن جداً محمد مرسي، لم تنته ''بركات'' جماعة الإخوان المسلمين، فلا يزال خطباء لـ ''الإخوان''، يعلنون من على منابرهم أن هناك من يرى في ''منامه'' الرئيس المعزول، وعلى كتفيه ثماني حمامات، دلالة على أنه سيكمل فترتين رئاسيتين! وأن جبريل - عليه السلام، دخل في مسجد رابعة العدوية في القاهرة، ليثبت المصلين! بل إن أحد الخطباء وصل بأوهامه وتضليله إلى أبعد من ذلك، بأن الرسول - قدّم مرسي (نعم مرسي)، ليؤم المصلين بحضوره! ''البركات'' ومعها الرؤيا و''الأحلام''، وتفسير المفسَر، وتعقيد البسيط، ستبقى جزءاً أصيلاً من ''استراتيجية'' الجماعة. هذا هو سلاحها ''النووي''. لكن، انتهى في مصر عهد ''البركات الاقتصادية'' .. لماذا؟ لأن الذين كانوا يخططون الاقتصاد بـ ''البركات''، يستعرضون حالياً رؤياهم وأحلامهم (فقط). لم يعودوا صانعي قرار مطلق. كما أنهم توقفوا عن ''إحصاء'' إنتاج القمح في مصر، مربوطاً بـ ''بركات'' الرئيس المعزول. فهو مرتفع عندهم! لكن في أرض السنابل.. منخفض. لا ''بركات اقتصادية''. هذه أهم خطوة باتجاه إصلاح ما يمكن إصلاحه، وتصحيح المسار، أو بالأحرى وضع مسار جديد. وقبل هذا وذاك، سيكون هناك اقتصاديون واقعيون حرفيون، يفهمون ما يتناولون ويطرحون. فضلاً عن أنهم يعرفون كيفية التعاطي، محلياً وخارجياً. وتكفي الإشارة هنا إلى أن فريق صندوق النقد الدولي، الذي كُلف بالتفاوض مع حكومة هشام قنديل (الذي قال يوماً: أنا ماعرفش، بس شاكك، مع أني كنت متأكدا!)، توصل إلى نتيجة، لم يخفها. وهي أنه لم يجد في الواقع مفاوضين، بل مجموعة من الهواة الذين لا يعرفون الفارق، بين قرض دولي ومنحة! كانوا مجموعة موالية (للمرشد، والشاطر والعريان..إلى آخره) ولم تكن مؤهلة. مجموعة، أجبرت مفاوضي''الصندوق''، على الخروج عدة مرات من صالة الاجتماعات، لـ ''ممارسة'' الاندهاش. فالمفاوضون المصريون، كانوا أقرب إلى مجموعة من التلاميذ الفارين من يوم دراسي. في مصر، أزمات هائلة.. وأرقام مريعة.. ورئيس الوزراء الانتقالي حازم الببلاوي يواجه خَطبا كبيرا. والاقتصاد المصري ما بين الثورتين (25 يناير و30 يونيو)، بات مشابهاً (إن لم يكن أسوأ) لحاله قبل الثورة الأولى. ومن أهم مزايا اختيار الببلاوي لهذه المهمة الصعبة جداً، أن هذا الأخير، قبل أن يكون اقتصادياً محترفاً بكفاءة عالية، ليس قابلاً للاستقطاب. وبالتالي فهو محمي من هذه الناحية. ولن تكون هناك مفاجأة، إذا ما اصطدم مع الجيش نفسه، فيما لو سعى الأخير أن يستقطبه، وفق المفهموم التقليدي المريع لـ ''الاستقطاب''. غير أن استقلالية الرجل (ووطنيته)، لن تقلل من من الهموم والمصائب التي يواجهها الاقتصاد المصري. مع ضرورة التأكيد على أن هذه الاستقلالية، تمنحه –إن جاز التعبير- ''زمناً وطنياً ثميناً''. أعطى التزام السعودية والإمارات والكويت بتقديم 12 مليار دولار أمريكي لمصر على شكل هبات ومنح ومساعدات (وهي مساعدات لكل مصر لا بعضها)، دفعة لاقتصاد مصر كان يحتاج إليها في هذا الوقت بالذات لأن المشهد الاقتصادي الذي تركه مرسي وهشام قنديل (رئيس وزراء خيرت الشاطر!)، مريع. لماذا؟ لأن الديون الداخلية بلغت (ما بين الثورتين) 1500 مليار جنيه مصري، والخارجية وصلت إلى 50 مليار دولار، بعدما كانت في حدود 34 مليارا. وفي غضون عام من حكم مرسي، تمت إضافة 11 مليارا، إلى جانب خمسة مليارات على شكل منح، في حين بلغ العجز الكلي في الموازنة 204,9 مليار جنيه. قفزت البطالة إلى 13 في المائة، وستصل إلى 13,5 في المستقبل المنظور. تم تخفيض التصنيف الائتماني لمصر خلال عام واحد، سبع مرات! وماذا أيضاً؟ الاستثمارات الخليجية بلغت 346 مليار دولار فقط لاغير في العام الماضي، وهرب عدد كبير من المستثمرين، ولم تُحسن المليارات التسعة التي تلقتها حكومة الرئيس المعزول، من مستوى الاحتياطي النقدي! سجل الدولار (لأول مرة في تاريخه) أكثر من تسعة جنيهات في السوق السوداء! وهو ما ساهم في ارتفاع التضخم في أسعار السلع الاستهلاكية بنسبة 9 في المائة. ستبلغ مدفوعات الفائدة نحو 182.1 مليار جنيه في موازنة 2013/2014، مقارنة بنحو 138.6 مليار جنيه عام 2012/2013. في مصر، يعيش الآن أكثر من 20 مليون شخص تحت خط الفقر، وتتدرج نسب الفقر من الإسماعيلية7,9 في المائة، إلى أسيوط 58,1 في المائة! مخزون مصر من القمح لا يزيد على مليون طن، وظلت البلاد ''بجدارة'' وبلا منافس، على رأس قائمة الدول الأكثر استيراداً لهذه المادة الحياتية. لا يتحمل مرسي وأعوانه المسؤولية كلها، ولكنه بالتأكيد كان سبباً مباشراً في استفحال الأزمات الاقتصادية التي تمر بها بلاده. ما بين الثورتين، تضاعف الخراب، وعمت الفوضى الاقتصادية، ليس ''لضيق ذات اليد''، بل لضيق أفق الذين وصلوا إلى حكم البلاد بصورة طفيفة.. وطفيفة للغاية. تواجه حكومة الببلاوي الكثير من ''البلاوي''، والامتحان الأول(الأهم) أمام العهد الجديد، يكمن في فرض إجراءات التقشف المطلوبة، ولكن ليس على طريقة صندوق النقد الدولي، بل على طريقة من أحبوا مصر، ويعشقونها.
إنشرها