روافد السياحة الطبيعية .. وواقع الحال!

|
معظم الناس - في رأيي - يحبون السياحة الطبيعية التي تستمد روعتها من جمال المكان ونظافته والعناية به, ليبقى قدر الإمكان طبيعيا أيا كانت جغرافيته .. غابات وأنهارا تجمع بين نضارة الخضرة ونقاء الماء ومناظر الطيور بأنواعها تصدح بالغناء، أو جبالا شاهقة تشهق حينما تتأمل المناظر من قممها ونسيم الهواء البارد المنعش يداعب وجنتيك ويملأ رئتيك بالأكسجين النقي الذي تحرمنا منه كثيراً ملوثات المدن بأنواعها، أو كثبانا من الرمال الذهبية الشاهقة في ليلة قمرية مملوءة بالنجوم المتلألئة، أو شواطئ رملية جميلة في صيف تحلو فيه السباحة واللهو بالألعاب المائية .. ومعظم هذا التنوع موجود في بلادنا الغالية بصورة فريدة روافد من روافد السياحة الداخلية، هذا فضلاً عن المناطق الأثرية العريقة التي تنتشر عبر ربوع الوطن الغالي، يبقى أن نتساءل: لم أكثر العائلات الغنية أو المتحضرة تفضل السياحة الخارجية وقضاء الإجازة خارج الوطن؟ قطعاً الأسواق ليست السبب! فما لدينا من أسواق و''مولات'' ضخمة ومجهزة بشكل رائع وتجمع كل العلامات (الماركات) من كل القارات تنافس مثيلاتها في أكثر المدن تقدماً في أوروبا وآسيا وأمريكا, وهذا طبيعي بصفتنا من أكثر الشعوب حُباً للاستهلاك، إنما هناك أسباب أخرى لعل من أهمها ما يلي: 1 ـ النظافة ثم النظافة ثم النظافة في الأماكن السياحية والمتنزهات والطرقات وفي السكن وأثاثه. 2 ـ احترام السائح أياً كانت جنسيته والتعامل معه بطلاقة وجه وصدق، واحترام خصوصيته في ظل الإطار العام لأخلاقيات وعادات البلد وتقاليده. 3 ـ البنية التحتية الخدمية من دورات مياه ومساحات للجلوس وأخرى للمشي وحراسة أمنية ومحال ومطاعم قريبة لبيع المستلزمات السياحية والمواد الغذائية الصحية والنظيفة. 4 ـ المتاحف والمعارض العصرية والأماكن الترفيهية المميزة داخل المدن. 5 ـ التنوع في الخدمات التقنية المساندة مثل الحافلات والقاطرات السياحية و''التلفريك'' وغيرها. والآن دعني, وبكل صراحة, أقيس ما شاهدته من معالم سياحية خلال الأشهر القليلة الماضية ببعض مما ذكرته من عوامل سياحية. بداية لقد كان لي جولة سياحية قصيرة في الجبيل الصناعية، وأدهشني ما رأيته فيها من مشاريع رائعة تم تنفيذها وأخرى قيد الإنشاء، كما استمتعت مع أسرتي بسواحلها الرملية و''كورنيشاتها النظيفة المحاطة بمساحات خضراء واسعة واهتمام أمني وخدمي رائع، يشمل ذلك دورات المياه وملاعب الأطفال والمساجد وفيها أماكن للنساء وغيرها، وما أثار إعجابي حرص الدوريات الخاصة بحماية منشآت الهيئة السياحية على مراقبة المكان ونظافته والتحذير عبر لوحات إرشادية بمخالفة من يرمي المخلفات. من جهة أخرى, كانت لي جولة سياحية في ينبع والعلا مروراً بمدائن صالح وبعض مدن الساحل الشمالي, ورغم الطبيعة البديعة والآثار المدهشة التي رأيتها, وجمال تلك المدن ونظافة شوارعها وطيبة أهلها, إلا أني استأت كثيراً من الإهمال في نظافة السواحل لدرجة غير مقبولة وبمخلفات شديدة الخطورة على الصحة والبيئة من أنواع الأكياس والعلب البلاستيكية والزجاج، ومن جهة أخرى لم أر أي مكاتب إرشاد سياحي أو نشرات إرشادية أو مرشدين سياحيين حتى في أندر الآثار العالمية في مدائن صالح لا توجد إلا بعض سيارات الشرطة، وعليك أن تهيم على وجهك بين تلك المنازل المنحوتة بشكل هندسي بديع في الجبال لتتطاير الأسئلة والاستفهامات حولها من رأسك دون أن تجد من يرشدك أو يجيبك عنها! وأخيراً كان لي قبل أيام جولة في الطائف ''عروس المصايف'' في السعودية .. هذه المدينة التي كانت على مدى التاريخ مكاناً سياحياً ومصيفاً لما حولها من المدن، وهي تزخر بموروث أثري عظيم من قلاع وقصور ومساجد وسدود ونقوش وأسواق قديمة من أشهرها سوق عكاظ، لقد سرني ما رأيته فيها من بناء بعض المنتجعات السياحية الحديثة وتطوير لا بأس به للمدينة وبنيتها التحتية، إلا أني فوجئت بمخلفات الزجاج والبلاستيك بأنواعها, خصوصاً الأكياس تملأ براري الحوية وتعلق بأشجار الشفا كأنما هي أسراب من الطيور المهاجرة, وأحزنني ضعف الوعي المجتمعي تجاه تلك المخلفات وخطورتها على البيئة والصحة العامة من جهة, واللامبالاة من البعض في رميها أو تركها على الأرض مبعثرة بعد التنزه! ختاماً، لقد أنعم الله علينا بطبيعة متنوعة المعالم تزخر بكل معطيات السياحة الآمنة والنظيفة تبحث عنها العائلات, خصوصاً في الداخل وفي كل الدول المجاورة، وصناعة السياحة الوطنية وما ستعود به على الوطن والمواطن من فوائد اقتصادية عظيمة - يكفي منها إيقاف أو تخفيف نزيف المليارات التي تصرف في الخارج سنوياً ـ لن تنجح عبر جهود هيئة السياحة وغيرها من الجهات الحكومية ذات العلاقة ما لم تتضافر معها جهود المواطن في المحافظة على تلك المكتسبات وتربية الأبناء على احترامها والتوعية الدائمة من الإعلام والخطباء بأهمية المحافظة عليها وعلى النظافة عموماَ في المدن وخارجها وإماطة الأذى عن الطريق - كما علمنا ديننا الحنيف.
إنشرها