العالم الافتراضي ثلاثي الأبعاد .. المعالم وفرص الاستثمار

|
كانت بدايات الإنترنت في السبعينيات لتمكن مستخدميها من تصفح النصوص والصور أو تبادل الملفات البسيطة، ثم تطورت شيئاً فشيئاً حتى هيمنت على معظم تقنيات العصر الأخرى مثل الاتصالات المسموعة والمرئية والبث التلفزيوني والراديو، وبعدها بدأت تظهر وتتطور ابتكارات جديدة في الإنترنت لزيادة التفاعل بين المستخدمين من خلال التشارك في الملفات واللعب عبر الإنترنت على ألعاب موجودة على أجهزتهم مباشرة، وأنا هنا لست بصدد الحديث عن هذه الابتكارات التي أصبحت تقليدية ولكني سأتحدث عن تقنية حديثة متطورة من تقنيات الإنترنت المذهلة التي ستغير وجه الإنترنت وطريقة التفاعل بين الناس حول العالم بشكل لا يتصوره الكثيرون، تلك هي ما يسمى بتطبيقات العالم الافتراضي ثلاثي الأبعاد 3D virtual world applications، التي تصور الأشخاص والبيئة المحيطة بالأبعاد الثلاثة في صور وأنماط حركية تشبه الواقع بشكل مدهش بل أحياناً تمزج الرسومات الدقيقة مع صور حقيقية وتحولها إلى مشهد ثلاثي الأبعاد لتصبح كأنها مقطع فيديو حقيقي إلا أنها تزيد من عنصر التفاعل والإثارة بإدخال خاصية التجسد في تلك الصور لكل مستخدم أو ما يطلق عليها مصطلح Avatar ثم إتاحة المشاركة والتفاعل عبر شبكة الإنترنت لكل من يسجل ويدخل إلى تلك البيئة ليمارسوا فيها بصورهم الافتراضية هذه ما يمكن أن يمارسوه وما لا يمكن أن يمارسوه مع بعضهم في الواقع الحياتي بحسب نوع البرنامج والغرض من إعداده مثل برامج الألعاب وبرامج التعليم والتدريب وبرامج التسوق وبرامج المحادثة التفاعلية وغيرها .. ومن تلك البرامج ما يتيح كل ما سبق أو بعضا منه في بيئة واحدة لجني المزيد والمزيد من الثروات الضخمة، ولأن تلك البرامج تعتمد على صور افتراضية للواقع أطلق عليها مصطلح افتراضيvirtual ، ولأن الأشخاص المتجسدين في هذه البيئة الافتراضية على شكل بشر أو حيوانات أو وحوش Avatar، هم أشخاص حقيقيون يشاهدون ذلك خلف شاشاتهم ويتفاعلون معه بالصوت والكتابة ويتحكمون بحركاتهم عبر ''فارة الكمبيوتر'' أو أي ملحقات أخرى تعد لهذا الغرض فيسمى أحياناً ذلك الواقع الافتراضي Virtual Reality، كما أن هذه التقنية التي تتيح للأشخاص التفاعل مع بعضهم من خلال صور رمزية تعبر عن أشخاصهم بدلاً من الالتقاء وجهاً لوجه تسمى تقنية التفاعل الافتراضي Immersive Virtual Technology. بدأت هذه التقنيات في الظهور بشكل فعّال منذ ما يقارب ثماني سنوات مقتحمة مجال الألعاب فقط، سواء تلك الألعاب التي تهدف للتسلية فقط أو تلك التي تهدف للتدريب في بيئات افتراضية قريبة تحاكي الواقع بشكل مدهش مثل الألعاب الحربية، والواقع أن بعض الدول تستفيد من تلك الألعاب في زيادة تدريب جيوشها وتنمية الحس ومهارات المناورة والتخطيط والتكتيك لديهم، كما أنها تتيح لهم قراءة أنماط التفكير لدى الشعوب الأخرى, إذ إن هذه الألعاب تتاح مجاناً للجميع عبر الإنترنت للعب بشكل جماعي، فتجد أشخاصا مختلفين رجالاً ونساء بأعمار مختلفة من دول مختلفة يلعبون اللعبة نفسها في شكل أفراد أو مجموعات ويستطيعون التحدث مع بعضهم بالكتابة وبالصوت أحياناً أثناء اللعب، يدل على ذلك ما تدفعه وزارة الدفاع الأمريكية Pentagon في تطوير بعض من ألعاب التفاعل أو المحاكاة immersive video game/simulation، حيث أنفقت أكثر من 32 مليون دولار أمريكي لتطوير لعبة America’s Army وحدها بحسب موقع Gossip Gamers، وقد قفزت هذه التقنية بعد ذلك في تطور مذهل بعد إطلاق النسخة المعتمدة الأولى لأضخم مشروع افتراضي حتى الآن وهو برنامج ''الحياة الثانية'' Second Life في منتصف عام 2003 بواسطة Linden Lab، وهي عبارة عن حياة افتراضية تضم 16 منطقة ذات طابع عمراني جميل بشوارع ومبان ومحال ومعارض وسفارات وسكان افتراضيين يمثلون أشخاصا حقيقيين وعملة تسمى الدولار الليندني Linden Dollar نسبة إلى هذا العالم الافتراضيLinden World، توفر هذه البيئة للمستخدمين التسلية عبر المحادثة بالكتابة والصوت كما تشتمل مجتمعات افتراضية مالية ورياضية وسياسية وغيرها، وقد تفاعلت معها الشركات والجهات الرسمية العالمية فتم افتتاح عدد من السفارات والجامعات والمعارض فيها، ووفقاً لتقرير الشركة فقد بلغ عدد السكان مليونا في عام 2006 جميعهم من المستخدمين فوق سن الـ 17، حيث يمنع من هم دون هذه السن من التسجيل لعدم مناسبة هذه البيئة لهم، لذا طورت الشركة نظاما آخر خاصا بالصغار يسمى Teen Second Life-TSL, الذي أطلق للجمهور في عام 2005، وقد بلغ عدد سكانه من الأطفال في عام 2009، 50 ألف طفل. يوجد الآن عدد من تطبيقات العالم الافتراضي ثلاثي الأبعاد التي تركز على جوانب التعليم والترفيه والتجارة الإلكترونية وهي توفر فرصة كبيرة لتطوير أساليب التعليم وتسويق المنتجات والتعريف السياحي والثقافي، ولكن للأسف ولأن العرب يكتفون بالاستهلاك فقط فقد بدأت بعض تلك التطبيقات بغزو مجتمعاتنا العربية والإسلامية عبر إغراء الشباب وتوفير المجتمعات الافتراضية الماجنة لهم التي تتيح لهم التعارف فتياناً وفتيات خلال البارات والنوادي الليلية وتتيح لهم حتى ممارسة الجنس مقنعين بتلك الشخصيات الافتراضية ذات التصميم الخيالي الفاتن. تقنية التفاعل الافتراضي Immersive Virtual Technology مؤهلة للتطور بشكل مذهل عبر التكامل مع التقنيات الحديثة الأخرى مثل تقنيات الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence، وهنا يمكن لك أن تتخيل أنه بمجرد أن تلبس قفازات إلكترونية في يديك وقدميك موصولة بشاشة حاسبك وتلبس نظارات ليزر للعروض ثلاثية الأبعاد يمكنك أن تتقمص تلك الشخصية التي تمثلك في هذه العوالم الافتراضية فمع حركة يديك أو قدميك الحقيقية تتحرك الشخصية التي تمثلك Avatar تماماً وتتفاعل مع الشخصيات الأخرى ومع كل الأشياء الموجودة في تلك البيئات الافتراضية وتراها عبر تقنية 3D Vision التي توفرها لك تلك النظارة خارج شاشتك وكأنها واقع حقيقي تعيشه بكل حواسك! ختاماً، بقدر ما أرى العالم يتطور بصورة سريعة ومذهلة وأتصور الكثير عن التغيرات القادمة في مستقبل التقنية، أرى أن المجتمعات العربية للأسف تؤثر البقاء كمجتمعات مستهلكة حتى في مجال تقنية المعلومات ومنها تقنية التفاعل الافتراضي التي من المتوقع أن تبلغ عوائدها السنوية في عام 2014 ما بين ثمانية وعشرة مليارات دولار بحسب تقرير GigaOM، وسأناقش في مقال آخر ـ إن شاء الله ـ جوانب الاستثمار الممكنة في هذا النوع من التقنية. ودمتم بخير وسعادة.
إنشرها