التكامل المنشود في التخطيط وبناء مشاريع البنى التحتية

|
موضوع مشكلات البنى التحتية في مدننا الغالية في السعودية دائم الإثارة في نفوس المواطنين, تذكرنا به بين الفينة والأخرى تلك الحفريات التي تجثم على شوارعنا الجميلة أسابيع أو شهورا لتصلح أو تؤسس بعضا من خدمات البنية التحتية مثل الكهرباء أو الهاتف أو الماء أو الصرف الصحي. ومعظمها يسد الطرق ويغلق أبواب المنازل أحياناً دون وضع جسور للعبور أو لوحات اعتذار توضح التاريخ المرتقب للانتهاء من المشروع, ودون تطبيق أدنى معايير الجودة في التنفيذ وإعادة ردم وسفلتة تلك الشوارع حتى أصبح بعضها مشوها ومليئا بالمطبات الصناعية والطبيعية وغير الطبيعية! كما ذكرتنا به أحداث جدة المؤلمة بشكل لا ينسى, نسأل الله الكريم أن يرحم الشهداء ويصبر ذويهم ويعوض على المتضررين وأن يحفظ لنا بلادنا وأهلها من كل مكروه ويديم عزها في ظل قيادة عادلة وحكيمة. وعلى الرغم من تسارع بعض خدمات البنى التحتية بشكل يدعو إلى الفخر في كثير منها مثل بناء الطرق السريعة والجسور والأنفاق ومشاريع توصيل الكهرباء والهاتف الثابت لكل مدينة وقرية وهجرة صغيرة والدعم السخي الذي تبذله الحكومة - وفقها الله - في هذا المجال إلا أننا إذا نظرنا إلى تخطيط الأحياء السكنية في كل مدن المملكة وطريقة تخطيط وتنفيذ البنى التحتية فيها نجد وبشكل ملحوظ المشكلات التالية: 1 ـ عدم مراعاة كثير من المخططات في معظم المدن لشكل وطبيعة التضاريس الجغرافية فيها, فتجد الأراضي السكنية على أطراف وبطون الأودية وفوق تخوم وقمم الجبال, ويتم إقرار معظمها من الجهات المسؤولة ويتم تداولها في أسواق العقار, وفسحها والبناء عليها عندما يتم طمرها ـ دفنها - بمخلفات البناء, متجاهلين أو غافلين عن الأخطار التي ربما تسببها مع الوقت من فيضانات خطيرة عند الأمطار الشديدة, كما حدث في جدة, ومن انزلاقات وانهيار بعض تلك المباني والبيوت. 2 ـ لا يوجد تنسيق واضح بين أي من الجهات المسؤولة عن تخطيط وسفلتة الطرق وتصميم وتنفيذ مشاريع البنى التحتية, يدل على ذلك وجود مسارات ومواصفات مختلفة لكل نوع من هذه الخدمات, كما يدل على ذلك تباين أوقات التنفيذ, فما أن تتم سفلتة شارع حتى تتم إعادة حفره مرة أخرى لتنفيذ مشروع آخر وهكذا بأسلوب يهدر الأموال ويشتت الجهود ويزيد معاناة المواطنين ويؤخر مسيرة التنمية. 3 ـ عدم وجود معايير جودة موحدة تلتزم بها كل الشركات المنفذة للمشروع مع خضوعها للرقابة والتدقيق - Quality Assurance ـ بواسطة مفتشي الجودة في تلك الشركات, وكذلك مفتشو الجودة في الأمانة للتأكد من مطابقة المعايير والمواصفات في المشروع وفي طريقة التنفيذ التي لا بد أن تراعي عوامل الوقت وحقوق المواطنين في الوصول إلى منازلهم بسهولة وأمان. 4 ـ عدم تحقيق معظم مشاريع البنى التحتية, خصوصاً الصرف الصحي وتصريف السيول مواصفات ومتطلبات الخدمة التي تقتضي الأخذ في الحسبان عوامل التغيرات المتوقعة مستقبلا في المناخ والنمو السكاني والتمدد العمراني, حيث ترتبط كل تلك العوامل ببعضها بشكل يؤثر في متطلبات البنى التحتية. كثير من المثقفين بل عوام الناس يدعّون ويفسرون انعدام تنسيق الجهات الحكومية المسؤولة عن تلك المشاريع برغبة بعض المسؤولين في توفير أكبر عدد من الفرص الاستثمارية يتم تنفيذها بواسطة شركات خاصة قد تعود ملكية بعضها إلى بعض هؤلاء المسؤولين أو إلى بعض أقاربهم أو المحسوبين عليهم, وبغض النظر عن صحة هذا الادّعاء من عدمه أرى أن الفرص الاستثمارية كثيرة جداً, ولن تنقطع أو تقل بتوحيد الجهود وتكامل التتنسيق في التخطيط والتنفيذ لتلك المشاريع حتى نطور بنية تحتية وطنية متينة لنا وللأجيال المقبلة, قادرة على الصمود أمام كثير من الكوارث من مثل كارثة مدينتا المكلومة جدة عروس البحر, وبذلك التنسيق سيتم توفير مليارات الريالات للاستفادة منها في توسعة وتطوير مشاريع جديدة لأحياء أو مدن جديدة, ويكفيك أن تعلم أن شبكة الصرف الصحي الحالية في جدة مثلاً لا تغطي سوى 8 في المائة من مساحة المدينة! فما بالك بباقي المدن والقرى؟! أما فيما يخص المقترحات لإصلاح الأوضاع أو على الأقل تفادي تكرارها في الخطط والمشاريع المقبلة فأرى أهمية أخذ العوامل التالية في الاعتبار: 1 ـ نحن في حاجة إلى الانتقال من أسلوب التفكير الفردي إلى أسلوب التفكير الجماعي فيما يخص بناء القرارات الحساسة حيال تخطيط المدن وهيكلة مشاريع البنى التحتية, والاستفادة الحقيقية من خبرات ومهارات كثيرين من المختصين والمبدعين من أبناء الوطن, وهم كثر ولله الحمد, وغيرهم من الخبراء والمستشارين المميزين من الخارج. 2 ـ كما أننا في حاجة إلى الاعتماد بشكل أكبر على نتائج البحوث وخلاصات التجارب في الدول المتقدمة التي سبقتنا في هذه المجالات بعشرات السنين أو ما يسمى أنماط التنمية الحضرية - Urban Development Patterns- لاختيار الحلول الأنسب التي توائم طبيعة مدننا الجغرافية والسكانية, مع الأخذ في الحسبان التغييرات المتوقعة مستقبلا فيما يخص عدد السكان أو في دورة الطقس وسلوكه نتيجة ما يسمى الانحباس الحراري Global Warming أو غير ذلك من العوامل المؤثرة. 3 ـ يجب أن يتم التنسيق بشكل كبير بين كل الجهات المسؤولة عن خدمات البنى التحتية في طريقة وتوقيت تنفيذ المشروع, وهنا أقترح أن يتم تمديد الخدمات مجتمعة عبر صناديق أسمنتية كبيرة متصلة ومغلفة من الداخل ومقسمة مثلاً إلى أربع طبقات السفلى للصرف الصحي ويليها من الأعلى تصريف السيول ثم مياه الشرب ثم الطبقة الأعلى تخصص لكيابل الكهرباء والهاتف وأنابيب الغاز وغيرها من الخدمات المستقبلية, ويمكن أن تتصل جميعها في غرف تجميع يمكن أن تتم عبرها أعمال التركيب والصيانة كاملة دون الحاجة إلى إعادة حفر الطرق والشوارع, كما يمكن أن تقوم الأمانات بتأسيسها وتأجيرها لكل المستفيدين من الشركات المزودة لتلك الخدمات, وهناك عدد من الدول التي رأيتها تستخدم تقنيات مشابهة لهذه التقنية. 4 ـ بما أنه تم إدراك خطورة البناء في مجاري السيول, فعليه يجب أن يتم إيقاف تخطيط أراض جديدة في الأودية ومجاري السيول ومنع البناء على المخطط منها مع تعويض ملاك تلك الأراضي ممن غُرِروا بشرائها بأراض بديلة في أماكن جيدة تتناسب مع قيم أراضيهم, ومع التقصي والتحقيق حول هذه التجاوزات والمستفيدين منها. ختاماً, قد تكون المصارحة في مثل هذه الأخطاء في التخطيط والتنفيذ لهذه المشاريع الوطنية الحيوية مؤلمة للبعض, ولكنها في النهاية ضرورة ملحة للرجوع إلى جادة الصواب, فالرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ومصلحة الوطن فوق كل اعتبار, كما أحب أن أشير إلى أن هذا المقال محاولة للملمة بعض من أفكار الإخوة الكتاب الذين سبقوني في الكتابة حول هذا الموضوع بعد أحداث جدة المؤلمة مع إضافة رأيي الشخصي حولها.
إنشرها