عندما تفتح طلبات الاكتتاب في "سبيس إكس" (SpaceX) رسميا، سيتسابق المستثمرون من أنحاء العالم لتقييم فرصة نادرة في قطاع يبشّر بآفاق نمو قوي. لكن بالنسبة للمستثمر السعودي، ربما سيكون السؤال أكثر تعقيدا مما يبدو حتى أمام مستثمري وول ستريت.
صندوق الاستثمارات العامة السعودي "PIF"، وشركة المملكة القابضة الأمير الوليد بن طلال، أبرز المستثمرين العرب في "سبيس إكس"، وهما ليس فقط ضمن المستثمرين المحتملين في هذا الاكتتاب، بل طرفان فاعلان، ولجا إلى القصة بأكملها من أبواب لم تكن مخططة في بعض الأحيان.
بينما يمتلك المستثمران السعوديان بالفعل موطئ قدم داخل شركة الفضاء العملاقة، فإن هناك 3 مسارات رئيسية أمامهما: الاكتفاء بالحصة الحالية، أو زيادة الاستثمار عبر الاكتتاب المرتقب، أو استغلال التقييم المرتفع لتحقيق جزء من المكاسب.
نظريا، تبدو الخيارات واضحة، لكن المفاضلة بينها قد لا تحسم بالأرقام وحدها، بل بالدور الذي تريد السعودية أن تؤدي في الاقتصاد التقني العالمي خلال العقود المقبلة.
صندوق الاستثمارات العامة.. دخول من باب الذكاء الاصطناعي
لم يبدأ مسار صندوق الاستثمارات العامة السعودي نحو "سبيس إكس" من الفضاء. فقد ضخت ذراعه في مجال الذكاء الاصطناعي "هيوماين" 3 مليارات دولار في "إكس إي آي" ضمن الجولة الخامسة.
بموجب الاندماج اللاحق بين "سبيس إكس و إكس أي آي" تحولت هذه الحصة تلقائيا إلى أسهم في "سبيس إكس"، ليجد الصندوق نفسه مساهما في أكبر شركة فضاء في العالم.

Screenshot 2026-06-07 130145
استثمار بدأ بأسهم في شركة تغريدات، وانتهى برهان على مستقبل الفضاء
قبل 15 سنة، اشترى الأمير الوليد بن طلال أسهما في منصة تواصل اجتماعي، ليجد نفسه اليوم من بين المساهمين في أضخم اكتتاب في تاريخ الأسواق المالية.
حين استحوذ الملياردير إيلون ماسك على "تويتر" عام 2022 بمقابل 44 مليار دولار، اختار الأمير الوليد تحويل حصته إلى أسهم في الشركة الجديدة بدلا من الخروج نقدا.
جاء الرهان الثاني، حيث استثمر الوليد وشركة المملكة القابضة في "أكس إي آي" عبر جولتين في 2024,
بعد اندماج "أكس إي آي" مع "سبيس إكس" في فبراير الماضي، أصبح الوليد وشركته المملكة القابضة من أبرز المساهمين في الشركة.
المملكة القابضة والأمير الوليد يحملان معا 0.63% من "سبيس إكس"، وعند التقييم المستهدف البالغ 1.75 تريليون دولار، ستبلغ قيمة هذه الحصة نحو 10.6 مليار دولار.

Screenshot 2026-06-07 130121
"هيوماين" الذراع الذي مهّد الطريق
تنظر السعودية إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره النفط الجديد. وعبر المبادرة الوطنية للذكاء الاصطناعي، تسعى إلى أن تكون ضمن أفضل 15 دولة في الذكاء الاصطناعي، وضمن أعلى 10 دول في البيانات المفتوحة، ومن بين أبرز الدول في المساهمة في المنشورات العلمية، مع هدف أبعد مدى يتمثل في تحويلها من مستوردة للتقنية إلى مصدرة لها.
لتنفيذ هذا الطموح، أسس صندوق الاستثمارات العامة شركة "هيوماين"، التي تعمل على 4 محاور متوازية/ هي بناء مراكز البيانات، وتطوير البنية السحابية، وإنشاء نماذج لغوية عربية، واستقطاب الكفاءات التقنية.
تُرجم هذا التوجه إلى اتفاقيات ضخمة خلال فترة قصيرة، أبرزها اتفاقية مع "انفيديا" في مساعي لتنفيذ خططها لبناء بنية تحتية متقدمة للذكاء الاصطناعي، وشراكة مع أمازون ويب سيرفيسز بأكثر من 5 مليارات دولار لإنشاء منطقة ذكاء اصطناعي متكاملة في الرياض، وخدمات "AWS"، والتدريب على الذكاء الاصطناعي، وتنمية المواهب في السعودية، إضافة إلى تعاون مع "AMD" بقيمة 10 مليارات دولار لنشر 500 ميجاواط من البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
في هذا السياق تحديدا، يُمكن قراءة استثمار "هيوماين" في "إكس أي آي" ثم انتقال حصتها إلى "سبيس إكس". فالسعودية لم تسع إلى امتلاك حصة في شركة فضاء، بل كانت تبني بنيتها التحتية في الذكاء الاصطناعي.
هذا ما يجعل علاقة صندوق الاستثمارات العامة بـ "سبيس إكس" مختلفة عن أي مستثمر مؤسسي آخر. فهي ليست رهانا ماليا بحتا، بل حلقة في منظومة أوسع تجمع البنية التحتية المحلية بالاستثمار في الشركات التي تبني مستقبل التكنولوجيا العالمية.
السؤال الأبرز في الاستثمار السعودي الجديد
بالنسبة لمعظم المستثمرين، قد يكون اكتتاب "سبيس إكس" مجرد فرصة لتحقيق عائد مرتفع أو جني أرباح استثنائية.
أما بالنسبة للمستثمر السعودي، فالمعادلة أكثر تعقيدا، فالحصة التي وصلت إليها عبر استثمارات الذكاء الاصطناعي لا تمثل مجرد أصل مالي يمكن بيعه أو الاحتفاظ به، بل ترتبط برهان أوسع على التقنيات التي يفترض أن تشكل اقتصاد العقود المقبلة.
لذلك، قد لا يكون السؤال الأهم هو كم تبلغ قيمة "سبيس إكس" اليوم، بل ما إذا كانت هذه الشركة جزءا من المستقبل الذي تسعى السعودية إلى أن تكون شريكا في بنائه، لا سيما في اقتصاد ما بعد النفط، وهل يكون الاستثمار الجديد فكرا سعوديا خارج صندوق مستثمري وول ستريت؟


