على الساحل الشرقي للبحر الأحمر، يقف
ميناء جدة الإسلامي بوصفه أكبر
الموانئ السعودية وأكثرها تأثيرا في حركة التجارة الإقليمية، جامعا بين إرث تاريخي يمتد لأكثر من 13 قرنا ودور اقتصادي متنام جعل منه أحد أهم مراكز الخدمات
اللوجستية في المنطقة.
ومن بوابة استقبلت الحجاج والتجار منذ صدر الإسلام، تحول الميناء إلى منصة عالمية تربط آسيا وأوروبا وإفريقيا، ويشكل اليوم ركيزة أساسية في مستهدفات رؤية السعودية 2030 الرامية إلى ترسيخ مكانة السعودية مركزا لوجستيا عالميا.
القطاع اللوجستي نجح في التكيف مع التحولات
وتمتلك السعودية بنية تحتية قوية ومنظومة لوجستية مرنة، ما مكّنها من إعادة توجيه حركة التجارة بكفاءة وفق المتغيرات الإقليمية بحسب ما ذكره المهندس صالح الجاسر وزير النقل والخدمات اللوجستية خلال توقيع الاتفاقيات للموانئ في جدة وتدشين أكبر منطقة لوجستية في العالم لتفويج الشاحنات.
أوضح الجاسر حينها أن القطاع اللوجستي نجح في التكيف مع التحولات التي شهدتها حركة الملاحة، إذ انتقلت تجارة السعودية سابقا إلى السواحل الشرقية مع تطورات البحر الأحمر، قبل أن يعاد توجيهها إلى السواحل الغربية في ظل المستجدات الأخيرة.
أشار إلى أن السعودية لم تخدم تجارتها فحسب، بل أسهمت أيضا في دعم حركة تجارة الدول المجاورة.
مكانة بحرية لجدة تعود إلى عام 646 م
وتعود المكانة البحرية لجدة إلى عام 646 م، عندما أمر الخليفة الراشد عثمان بن عفان بتحويلها إلى ميناء مكة المكرمة بدلا من ميناء الشعيبة، لتصبح منذ ذلك الحين نقطة الوصول الرئيسة للحجاج والتجار القادمين عبر البحر الأحمر.
ومع توحيد السعودية وازدياد الحركة التجارية وأعداد الحجاج، برزت الحاجة إلى إنشاء ميناء حديث يستوعب السفن الكبيرة، بعدما لم يعد ميناء "البنط" التاريخي داخل سور جدة قادرا على مواكبة النمو بسبب ضحالة مياهه وضيق مساحاته.
لذلك وجّه الملك عبدالعزيز بإنشاء ميناء جديد على الساحل الشمالي للمدينة، وبدأ تنفيذ المشروع في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي عبر ردم أراضٍ سبخية وإنشاء رصيف بحري بطول يقارب 2500 متر.
الخطوط العالمية تتجه إلى جدة كمحور آمن
من جهته، أوضح نشمي الحربي، الرئيس المؤسس لشركة تكامل الإمداد للاستشارات اللوجستية، لـ"الاقتصادية"، أنه مع تصاعد المخاطر الإقليمية وتعليق شركة "كوسكو" الصينية حجوزاتها مؤقتًا إلى الخليج، اتجهت كبرى الخطوط الملاحية العالمية إلى ميناء جدة كمحور آمن، وهو ما يدل، بحسب قوله، على استثمارات سابقة عززت جاهزية الميناء.
أشار إلى أن حركة الحاويات نمت 26%، والواردات 63%، والصادرات 40 % خلال يونيو 2026، فيما سجل مايو مناولة قياسية تجاوزت 17.2 ألف حاوية دفعة واحدة على متن إحدى سفن "ميرسك" العملاقة.
وأضاف أن "ميرسك" أطلقت خدمة "MECL" التي تربط جدة مباشرة بالولايات المتحدة، إلى جانب استثمار بقيمة 40 مليون ريال في توسعة عملياتها، فيما دشنت شركة "China United Lines" خدمة "SGX" المباشرة إلى جدة.
وأكد الحربي أن جدة لا تكتفي باستيعاب تداعيات الأزمات، بل تعزز مكانتها كمحور لوجستي عالمي، معتبرًا أن الجاهزية المسبقة هي العامل الحاسم في إدارة الأزمات، وهو ما يتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في قطاع الخدمات اللوجستية.
تقليص زمن الإجراءات ورفع كفاءة التشغيل
وقال أحمد باحبيشي، رئيس لجنة المخلصين الجمركيين بغرفة جدة، إن تطوير منظومة التخليص الجمركي شمل التوسع في الخدمات الإلكترونية والأتمتة، وتعزيز التكامل بين الجهات الحكومية ومنصتي "فسح" و"تبادل"، إلى جانب تطبيق التقديم المسبق للشحنات، ما أسهم في تقليص زمن الإجراءات ورفع كفاءة التشغيل وانسيابية حركة البضائع.
أضاف أن القطاع الخاص أصبح شريكًا رئيسيًا في تطوير المنظومة عبر اللجان القطاعية ومجلس اللوجستيات، حيث جرى تحويل عدد من المقترحات التشغيلية إلى تحسينات عملية.
أوضح أن تطوير المنظومة تم على مراحل، بدأت برقمنة الإجراءات وربط الأنظمة الحكومية، ثم تطوير منصة "فسح"، وصولًا إلى تطبيق التقديم المسبق لشحنات الواردات والترانزيت، بما أتاح استكمال الإجراءات قبل وصول الشحنات وخفض مدة بقائها في الموانئ.
فيما يتعلق بتأثير التوترات في مضيق هرمز، قال إن موانئ البحر الأحمر، ولا سيما ميناء جدة الإسلامي، سجلت زيادة كبيرة في شحنات الترانزيت، ما استدعى تعزيز التنسيق وتكثيف فرق العمل وتطبيق التقديم المسبق للشحنات، الأمر الذي حافظ على انسيابية العمليات رغم ارتفاع الأحجام.
PHOTO-2026-07-20-16-51-50
تعزيز القدرات على استيعاب نمو الترانزيت
من ناحيته، قال إبراهيم العقيلي، المختص في التخليص الجمركي، إن اضطرابات مضيق هرمز سرعت تطوير إجراءات التخليص الجمركي وتوسعة الطاقة التشغيلية في الموانئ السعودية، ما عزز قدرتها على استيعاب نمو أعمال الترانزيت ودعم دور السعودية كمركز عبور للبضائع إلى الخليج.
أضاف أن التسهيلات شملت تخفيف اشتراطات الترانزيت، وإلغاء الضمان التأميني، وتوسعة الساحات وزيادة مسارات الشاحنات، ما أسهم في تسريع حركة البضائع وخفض الأعباء التشغيلية.
أشار إلى أن تطوير المنظومة جاء نتيجة مسار تراكمي امتد لسنوات، فيما أسهمت منصة "فسح" في استكمال الإجراءات المستندية قبل وصول الشحنات، ليتراجع زمن التخليص من 24 ساعة إلى ساعتين، مع الإفراج عن الشحنات خلال ساعات عند استيفاء المتطلبات.
وافتتح الميناء رسمياً عام 1949، وكانت السفينة الهندية "أكبر" القادمة من بومباي أول سفينة ترسو على أرصفته، وعلى متنها 479 حاجاً، ليشكل ذلك بداية مرحلة جديدة في تاريخ النقل البحري السعودي، قبل أن يشهد توسعات متلاحقة، خصوصاً خلال السبعينيات مع الطفرة الاقتصادية.
إبراهيم العقيلي
ابراهيم العقيلي
62 رصيفا بطاقة مناولة 130 مليون طن سنويا
واليوم يمتد ميناء جدة الإسلامي على مساحة تبلغ 12.5 كيلومتر مربع، ويضم 62 رصيفاً متعدد الأغراض، بطاقة مناولة تصل إلى 130 مليون طن سنوياً، ويستقبل نحو 5 آلاف سفينة كل عام، كما يتعامل مع نحو ثلثي الواردات البحرية للسعودية، إضافة إلى كونه أحد أهم موانئ المسافنة (الترانزيت) على البحر الأحمر.
وعزز الميناء مكانته العالمية بعد حصوله في 2024 على اعتماد بورصة لندن للمعادن مركزا لتسليم وتخزين النحاس والزنك، في خطوة تظهر تنامي دوره في تجارة المعادن وسلاسل الإمداد الدولية.
وشهد الميناء خلال الأعوام الأخيرة استثمارات كبيرة بالشراكة بين الهيئة العامة للموانئ (موانئ) والقطاع الخاص، كان أبرزها مشروع تطوير محطة الحاويات الجنوبية الذي تنفذه شركة موانئ دبي العالمية (DP World).
ارتفعت الطاقة التشغيلية للمحطة من 1.8 مليون حاوية قياسية إلى 4 ملايين حاوية، مع إمكانية زيادتها إلى 5 ملايين حاوية مستقبلاً، إضافة إلى إنشاء رصيف للمياه العميقة بطول 2150 متراً لاستقبال أكبر سفن الحاويات في العالم.
كما تنفذ شركة ميرسك الدنماركية مشروعاً لإنشاء منتزه لوجستي متكامل داخل الميناء يضم مستودعات حديثة ومرافق للتخزين المبرد وخدمات لوجستية متقدمة، فيما واصلت محطة بوابة البحر الأحمر (RSGT) توسعة عملياتها في القطاع الشمالي، بما أسهم في رفع الطاقة الاستيعابية للميناء.
تعميق الأرصفة لاستقبال السفن العملاقة
وفي يوليو 2026 أعلنت الهيئة العامة للموانئ "موانئ" استثمارات جديدة بقيمة 640 مليون ريال بالشراكة مع DP World وRSGT لتطوير البنية التحتية، شملت شراء رافعات حديثة ومعدات مناولة متطورة وشاحنات وساحات تخزين ومرافق تبريد، في إطار خطة تستهدف رفع كفاءة العمليات وزيادة القدرة التنافسية للميناء.
وتتواصل أعمال التطوير وفق مستهدفات الإستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية، التي تسعى إلى جعل السعودية مركزاً لوجستياً عالمياً، عبر تعميق الأرصفة لاستقبال السفن العملاقة، وتوسعة ساحات الحاويات، وتطبيق الأنظمة الرقمية، وربط الميناء مستقبلاً بشبكة السكك الحديدية والطرق السريعة.
ورغم هذا التحول الكبير، ما زالت ذاكرة الميناء القديم حاضرة في جدة التاريخية، حيث أعيد تأهيل مبنى "البنط" وتحويله إلى متحف البحر الأحمر، ليحفظ تاريخ المرفأ الذي استقبل الحجاج والتجار لعقود طويلة، بينما يواصل ميناء جدة الإسلامي كتابة فصل جديد من تاريخ السعودية بوصفه أحد أهم الموانئ المحورية في المنطقة.