أنهى صندوق الاستثمارات العامة السعودي الخميس طرح سندات مقومة بالدولار بقيمة 7 مليارات دولار، بعد أن كان قد توجه للسوق بحجم أولي أقل، إلا أن الطلب القوي من المستثمرين قد دفع الصندوق لرفع حجم الإصدار.
لكن السؤال، لماذا يسعى الصندوق لإصدارات السندات على الرغم من توافر سيولة نقدية ضخمة وأصول تحت الإدارة بـ 3.4 تريليون ريال بنهاية العام الماضي؟
رافعة مالية متحفظة للغاية عند 2.8%
وفق وحدة التحليل المالي في "الاقتصادية"، يمكن تفسير هذه الخطوة في إطار رافعة مالية للصندوق تشير إلى بلوغ صافي نسبة الدين إلى الأصول تحت الإدارة (أي إجمالي الدين البالغ 216 مليار ريال مطروحاً منه السيولة البالغة 121 مليار ريال، مقسوما على الأصول تحت الإدارة) نحو 2.8% فقط، وهو مستوى متحفظ جداً يعكس إدارة ديون رشيدة.
يظهر أثر ذلك في تقييم وكالة موديز الذي بلغ Aa2، أي درجة واحدة أعلى من التصنيف النهائي Aa3، وهو مقياس للجدارة الائتمانية الذاتية للصندوق، ومؤشر إضافي على متانة مركزه المالي.
تمويل طويل الأجل يناسب المشاريع الضخمة
بخلاف ما تشير إليه الرافعة المالية للصندوق هناك عدة عوامل قد تكون مبررا لسعي الصندوق لإصدار سندات، منها: أولا، السندات تمويل طويل آجل ففي الطرح الأخير الآجال تمتد حتى 30 عاما وهذا يتناسب مع طبيعة المشاريع التي يمولها الصندوق ، مثل نيوم والقدية والبحر الأحمر وغيرها، وهذه مشروعات ضخمة تحتاج إلى تمويل طويل الأجل وبشروط ثابتة.
خلال الخمس أعوام الأخيرة أنفق الصندوق 750 مليار ريال على المشاريع المحلية الجديدة، وفق التقرير السنوي لرؤية السعودية 2030 لعام 2025.
الاستفادة من سمعة وتصنيف ائتماني قويين
ثاني العوامل، أن الصندوق يستفيد من سمعته الائتمانية وتصنيفه الائتماني القوي للحصول على تمويل طويل الأجل بشروط جيدة، فالإصدار الأخير وتغطيته 4 مرات والتسعير الجيد يؤكد ذلك.
فالصندوق توجه للسوق بحجم إصدار أولى بحسب مصادر مطلعة صرحت للاقتصادية يتراوح عند 3 مليارات دولار، ولكن الطلب القوي دفع الصندوق لرفع الإصدار إلى 7 مليارات دولار التي طلبها لاحقا بعد الطلب الإجمالي البالغ 29 مليار دولار، كما حصل على تسعير جيد جدا وأقل من التوقعات قبل الطرح.
كان التسعير الاسترشادي عند 130 نقطة أساس و135 نقطة أساس و170 نقطة أساس فوق سندات الخزانة الأمريكية لشرائح السندات لآجل 3 سنوات، و7 سنوات و30 سنة، وفق وكالة رويترز.
فيما حصل الصندوق على تسعير أفضل للشرائح الثلاثة عند 95 نقطة و105 نقطة أساس و135 نقطة أساس فوق سندات الخزانة الأمريكية على التوالي، مع الطلب الضخم على الإصدار.
بناء منحنى ائتماني وتحسين التصنيف للصندوق وشركاته
ثالث عوامل التوجه لإصدار السندات، بناء منحنى ائتماني وتحسين التصنيف للصندوق وشركاته التابعة، فالإصدارات المتكررة تجعل الصندوق لاعبا معروفا في أسواق الدين العالمية، ما يسهل عليه وعلى شركاته التابعة الاقتراض مستقبلا بشروط ميسرة، كما يسهم في بناء سجل ائتماني وعلاقات مع المستثمرين الدوليين تحسن تصنيفه الائتماني.
يملك الصندوق حصصا في كبرى الشركات السعودية وتحسين تصنيفه أو بناء منحنى ائتماني يخدم هذه الشركات، مثل معادن و"أفي ليس" المتخصصة في تأجير الطائرات.
حسب الموقع الإلكتروني للصندوق، فتصنيفه الإئتماني طويل الأجل Aa3 من وكالة موديز، و A+ من فيتش، بينما A-1 من ستاندرد آند بورز كتصنيف قصير أجل.
هذه التصنيفات هي نفسها الحاصلة عليها السعودية وهي من أعلى التصنيفات الائتمانية، وتعكس قدرة عالية على الوفاء بالتزاماتها المالية ومخاطر منخفضة فيما يخص القدرة على سداد ديونها، ما يمنحها جدارة ائتمانية أعلى من معظم دول مجموعة العشرين.
إدارة الأصول والخصوم للصندوق
رابعا، إدارة الأصول والخصوم، فالصندوق يمتلك أصولا طويلة الأجل وغير سائلة نسبيا منها مشاريع بنية تحتية وعقارات على سبيل المثال، بالتالي السندات تساعد على مواءمة التدفقات النقدية بدل بيع أصول في توقيت غير مناسب.
تمثّل الأسهم المدرجة نحو 55% من الأصول تحت الإدارة بنهاية عام 2024، فيما بلغت أصول الخزينة 129 مليار ريال بنهاية عام 2025.
تنويع مصادر التمويل
خامس العوامل، تنويع مصادر التمويل، فتنويع أدوات الدين ركيزة محورية في استراتيجية تمويل الصندوق.
فالصندوق يحضر اليوم في عدد واسع من أسواق الدين، يشمل الأوراق التجارية، والإصدارات متوسطة الأجل، والسندات طويلة الأجل، والسندات التقليدية، والسندات الخضراء، والصكوك، والقروض المشتركة، وتمويل وكالات ائتمان الصادرات.
يشار إلى أنه كلما اتسع حضور الصندوق في هذه الأسواق ووسع قاعدة مستثمريه، كلما مهد الطريق أمام الجهات التابعة له للوصول إلى مصادر تمويل جديدة بشروط ميسّرة، وهو ما يجعل التنويع غاية استراتيجية بحد ذاتها لا مجرد أداة.
تحسين العائد على رأس المال
الأمر السادس، هو تحسين العائد على رأس المال، لا سيما أن العائد هو ما تركز عليه الإستراتيجية المحدثة للصندوق، بالتالي إذا كان الصندوق يتوقع تحقيق عوائد استثمارية أعلى من تكلفة الفائدة على السندات، فهنا يصبح الحصول على تمويل رغم توفر السيولة الذاتية، أمرا منطقيا في الجانب المالي.
تجاوز إجمالي عائد على المساهمين لدى صندوق الاستثمارات العامة 7% على أساس سنوي منذ عام 2017.
كان الصندوق قد أعلن في أبريل الماضي استراتيجية 2026-2030، والتي تُعلي من قيمة كفاءة رأس المال وخلق القيمة المستدامة.
وقد وصفت وكالة موديز في تعليقها بتاريخ 29 أبريل هذا التحول الاستراتيجي بأنه إيجابي ائتمانياً، مستشهدة بتعزيز توليد التدفقات النقدية والمرونة المالية كداعمَين لمتانة الصندوق الائتمانية.








