قفزت أسهم شركات البتروكيماويات السعودية منذ اندلاع الحرب على إيران في نهاية فبراير، على رأسها "ينساب" الذي ارتفع خلال شهر 41% في أفضل أداء له منذ إدراجه.
جاء ذلك بعد نقص المعروض العالمي بعد تعطل بعض الطاقات الآسيوية، إلى جانب ارتفاع أسعار المنتجات والمواد الأساسية، وصولا إلى تحسن مكانة المنتجين القادرين على الإمداد وسط اضطراب السوق.
ولهذا جاء صعود أسهم القطاع انعكاسا لتوقعات بتحسن الربحية، ولا سيما إذا استمرت الأزمة أو طال أمد إعادة التوازن في أسواق الطاقة والبتروكيماويات.
النزاع العسكري يوقف مصانع آسيوية
كانت آسيا الأكثر تأثرا في المرحلة الأولى من الأزمة بحكم اعتماد جزء كبير من صناعاتها البتروكيماوية على النافثا والغاز القادمين من الشرق الأوسط.
في كوريا الجنوبية، أوقفت شركات كبرى بعض وحدات التكسير أو خفضت معدلات التشغيل مع تراجع إمدادات النافثا، بينما فرضت الحكومة قيودا على صادرات النافثا لمدة خمسة أشهر لحماية السوق المحلية، مع منح نفسها صلاحيات للتدخل في الإنتاج والتوزيع إذا تفاقمت الاختناقات.
كما أظهرت البيانات توقف وحدات لدى LG Chem وLotte Chemical، وتراجع معدلات التشغيل في مجمعات أخرى، ما زاد الضغط على أسواق الإيثيلين والبروبيلين ومشتقاتهما.
في تايوان، تحركت الحكومة سريعا لتنسيق الإمدادات مع الشركات المحلية، إذ عملت وزارة الاقتصاد مع Formosa Petrochemical وCPC للحفاظ على استقرار إنتاج البتروكيماويات، مع تقديم موعد إعادة تشغيل إحدى وحدات التكسير لرفع إنتاج الإيثيلين، وتقليص الصادرات من بعض المواد العطرية لضمان تلبية الطلب المحلي.
هذا التحرك يعكس حجم القلق من نقص المواد الخام في الأسواق الآسيوية، ويؤكد أن الأزمة لم تعد محصورة في أسعار النفط، بل امتدت إلى سلاسل الإنتاج البتروكيماوي نفسها.
الشركات السعودية في وضع الأفضلية
في المقابل، استفادت الشركات السعودية من هذا الاختلال في توازن السوق، فعندما تتعطل طاقات إنتاجية لدى منافسين رئيسيين، أو تُخفض معدلات تشغيلهم بسبب شح اللقيم وارتفاع تكلفته، ترتفع القيمة النسبية للمنتجين القادرين على توفير الإمدادات.
ومن هنا جاء الزخم الذي انعكس على أسهم شركات سعودية على رأسها "ينساب" الذي يستفيد من وجوده على الساحل الغربي، إضافة إلى سابك للمغذيات الزراعية التي استفادت من تحسن أسعار الأسمدة ومغذيات الزراعة.
وتبرز سابك في مقدمة الشركات المستفيدة بحكم تنوع محفظتها وارتباطها بعدد واسع من المنتجات الأساسية والوسيطة، من البوليمرات إلى الكيماويات الصناعية.
وفي ظل تعطل جزء من طاقات التكسير في آسيا، اتجهت الأنظار إلى الشركات القادرة على تلبية الطلب العالمي أو الإقليمي على مواد مثل الإيثيلين والبروبيلين والبولي إيثيلين والبولي بروبيلين.
وينطبق هذا أيضا على ينساب وكيان السعودية والمتقدمة والتصنيع واللجين، إذ يستفيد هذا الجزء من القطاع عادة عندما ترتفع الأسعار أسرع من التكاليف، أو حين تتحسن الهوامش نتيجة انكماش المعروض العالمي.
أما كيمانول، فتبدو من أبرز المستفيدين في سوق الميثانول، في وقت تشير فيه بيانات السوق إلى أن آسيا تواجه شحا متزايدا في الإمدادات مع صعود الأسعار إلى مستويات مرتفعة، بسبب الاعتماد الكبير على شحنات الخليج.
وحتى مع احتمال إعادة فتح مسارات الإمداد لاحقا، فإن استعادة التدفقات الطبيعية لا تبدو فورية، وهذا يخلق بيئة داعمة لأسعار الميثانول، ويمنح الشركات المرتبطة به فرصة للاستفادة من مستويات سعرية أعلى من المعتاد.
وفي قطاع الأسمدة، دعمت الأزمة أيضا أسهم سابك للمغذيات الزراعية، إذ عادة ما تستفيد أسواق الأمونيا واليوريا من أي اضطراب في تدفقات الطاقة والغاز، سواء من خلال ارتفاع تكلفة الإنتاج لدى بعض المنافسين أو من خلال صعود علاوة المخاطر في التجارة العالمية.
مصاعب لوجستية تعزز مكانة السعودية
لا ترتبط مكاسب القطاع فقط بارتفاع الأسعار، بل أيضا بإعادة ترتيب مسارات التجارة العالمية. فمع إعلان عدد من الشركات الآسيوية حالات قوة قاهرة، وارتفاع أجور ناقلات الكيماويات، واتساع فجوات الأسعار بين الأسواق، بدأ المشترون في البحث عن مصادر أكثر موثوقية.
كما أن ارتفاع تكاليف الشحن، سواء في ناقلات الكيماويات أو الحاويات، أضاف ضغوطا جديدة على المنتجين في أوروبا وآسيا، ورفع التكلفة النهائية على سلاسل التوريد.
وتشير البيانات إلى أن بعض أسعار الشحن تضاعفت تقريبا على بعض المسارات، فيما ارتفعت أسعار الحاويات مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، وهو ما زاد من جاذبية المنتجين ذوي القرب النسبي من الأسواق أو الأفضل قدرة على إدارة الإمداد، وهو ما يعزز من مكانة المصانع السعودية.
طول أمد النزاع يحدد الأثر على المدى الطويل
ورغم هذه المكاسب، يبقى أثر الأزمة مزدوجا، فمن جهة، دعمت العمليات العسكرية في المنطقة أسعار المنتجات البتروكيماوية ورفعت فرص تحسن هوامش الشركات السعودية.
في المقابل، فإن استمرار التوتر لفترة طويلة قد يضغط على الطلب العالمي إذا أدى إلى تباطؤ اقتصادي أوسع أو إلى ارتفاع أكبر في تكاليف الطاقة والنقل.
لذلك، فإن السوق تراهن حاليا على أن الأثر الإيجابي الناجم عن صدمة المعروض سيكون أقوى، على الأقل في الأجل القصير، من الأثر السلبي المحتمل على الطلب.
وحدة التحليل المالي