الخميس, 13 أغسطس 2026|28 صَفَر 1448
الاقتصادية

بينما تستحوذ أفلام الرسم المتحركة على شق كبير من إيرادات شباك التذاكر السعودي، يبقى الرهان الأكبر في إنتاج أفلام ناجحة من هذا النوع في السعودية هو امتلاك شخصيات وقصص محليّة، يمكن تحويلها إلى أصول اقتصادية تولّد الإيرادات لعقود، بحسب الدكتور محمد غزالة، أستاذ الرسوم المتحركة ورئيس مدرسة الفنون السينمائية في جامعة عفت.

أفلام الرسوم المتحركة تستحوذ على نحو 13.8% من إيرادات شباك التذاكر السعودي، وفق أحدث بيانات متوفرة، والتي تعود إلى 2024، حين حققت 116.4 مليون ريال، من إجمالي سوق بلغت إيراداته آنذاك 845.6 مليون ريال.

الدكتور محمد غزالة أوضح لـ"الاقتصادية" أن القيمة الاقتصادية للرسوم المتحركة لا تتوقف عند السينما، بل تمتد إلى الألعاب الإلكترونية، والمؤثرات البصرية، والمنصات الرقمية، والمنتجات المرخصة، والمحتوى التعليمي، والتجارب الترفيهية.

سوق تتجاوز أفلام الأطفال

الفرصة الاقتصادية لصناعة الرسوم المتحركة في السعودية تتجاوز، بحسب غزالة، المحتوى الموجه إلى الأطفال، بعدما أصبحت تقنياتها عنصرًا أساسيًا في صناعة الأفلام والألعاب الإلكترونية والمؤثرات البصرية والإعلانات.

اقرأ أيضا: 7 أفلام تكسر حاجز نصف مليون تذكرة في شباك التذاكر السعودي

يقول أستاذ الرسوم المتحركة إن إيرادات شباك التذاكر تمثل المرحلة الأولى فقط من دورة حياة المشروع، فيما تبدأ القيمة الاقتصادية الأوسع بعد انتهاء العرض السينمائي.

يكون هذا عبر حقوق البث، والتراخيص التجارية، والألعاب، والكتب، والملابس، والمنتجات الاستهلاكية، والمحتوى التعليمي، والمتنزهات الترفيهية.

ويرى أن الملكية الفكرية الناجحة "تستطيع توليد دخل متكرر لسنوات، ما يجعل الاستثمار في الشخصيات والقصص أكثر استدامة من الاعتماد على إيرادات التذاكر وحدها".

محمد غزالة
محمد غزالة
محمد غزالة2

إيرادات أعلى للزيارة العائلية

تحقق أفلام الرسوم المتحركة قيمة اقتصادية مرتفعة لدور العرض، لأنها تستقطب العائلات بدلًا من المشاهد الفردي، ما يعني بيع عدة تذاكر في الزيارة الواحدة.

لا يقتصر إنفاق الأسرة على التذاكر، بل يشمل المأكولات والمشروبات والإنفاق داخل المجمعات التجارية، وهو ما يرفع العائد الاقتصادي للزيارة مقارنة بالأفلام الموجهة إلى شريحة عمرية محددة.

كما تتمتع أفلام العائلة بعمر أطول نسبيًا في دور العرض، مستفيدة من عطلات نهاية الأسبوع والإجازات المدرسية والمواسم، بدلًا من الاعتماد الكامل على إيرادات أسبوع الافتتاح.

اقرأ أيضا: شباك التذاكر السعودي يتراجع 25% في أسبوع.. و«Toy Story 5» يحافظ على الصدارة

إيرادات تصل إلى 147 مليار دولار لعلامة واحدة

عن قدرة الرسوم المتحركة على تعظيم العائد التجاري، قال غزالة إن "الأنيميشن" لا يبيع فيلمًا فقط، بل يصنع أصلًا اقتصاديًا قابلًا للتوسع إلى عشرات المنتجات.

الإيرادات التراكمية لامتياز "بوكيمون" وحده تجاوزت 100 مليار دولار، بحسب غزالة، بينما ترفع بعض التقديرات الحديثة الرقم إلى أكثر من 147 مليار دولار.

جاءت النسبة الأكبر من هذه الإيرادات من الألعاب والبطاقات والمنتجات المرخصة، وليس من الأفلام وحدها.

كما حققت علامات مثل "ميكي ماوس" و"حرب النجوم" و"أميرات ديزني" عشرات المليارات من الدولارات، ما يؤكد أن القيمة الاقتصادية الكبرى تكمن في امتلاك الشخصيات والعلامات التجارية.

قدم فيلم "سوبر ماريو براذرز" نموذجًا لهذا الاقتصاد، بعدما تجاوزت إيراداته السينمائية 1.36 مليار دولار، بالتزامن مع تنشيط مبيعات الألعاب والمنتجات المرتبطة بعلامة «نينتندو».

وبحسب غزالة، فإن الهدف لا ينبغي أن يقتصر على إنتاج فيلم ناجح لموسم واحد، بل على بناء شخصية تستطيع الانتقال بين السينما والتلفزيون والألعاب والمنتجات والتجارب الترفيهية.

اقرأ أيضا: شباك التذاكر العالمي مرشح لبلوغ 35 مليار دولار في 2026

محمد غزالة
محمد غزالة
محمد غزالة

التقنية تقود أكبر الأفلام

لم تعد الرسوم المتحركة نوعًا سينمائيًا مستقلًا، بل أصبحت تقنية تقوم عليها نسبة كبيرة من صناعة السينما الحديثة، خصوصًا الأفلام الضخمة المعتمدة على المؤثرات البصرية.

فيلم "أفاتار"، الذي تجاوزت إيراداته 2.9 مليار دولار، اعتمد بصورة أساسية على الرسوم المتحركة ثلاثية الأبعاد.

كذلك، حقق فيلم "أفاتار: طريق المياه" أكثر من 2.3 مليار دولار.

في المقابل، تجاوزت إيرادات فيلم الرسوم المتحركة الصيني "ني تشا 2" حاجز 2.2 مليار دولار، ليدخل قائمة الأفلام الأعلى إيرادًا في تاريخ السينما.

يرى غزالة أن هذه الأرقام توضح أن الاستثمار في "الأنيميشن" لا يخدم الأفلام المتحركة فقط، بل يسهم في بناء قدرات تقنية يمكن استخدامها في السينما والألعاب والإعلانات والتجارب الرقمية.

3-5 أعوام للإنتاج بين تطلبات بناء صناعة سعودية منافسة

حول متطلبات بناء صناعة سعودية منافسة، أكد غزالة ضرورة الانتقال من إنتاج المشاريع المنفردة إلى تأسيس منظومة تعمل بصورة مستمرة.

تحتاج الصناعة إلى توسيع التعليم والتدريب المتخصص، في ظل محدودية البرامج الأكاديمية المرتبطة بالرسوم المتحركة، ووجودها حاليا في عدد محدود من الجامعات، من بينها عفت والأميرة نورة ودار الحكمة.

كما تحتاج إلى أستوديوهات محلية قادرة على الإنتاج المستمر، وصناديق تمويل تتناسب مع دورة إنتاج أفلام الرسوم المتحركة التي قد تمتد من 3 إلى 5 أعوام، إلى جانب شراكات عالمية تنقل التقنية والخبرة إلى الكفاءات المحلية.

لكن الركيزة الأهم، بحسب غزالة، تتمثل في تسجيل وتطوير الملكيات الفكرية السعودية؛ لأن الاكتفاء بتنفيذ الأعمال للشركات الأجنبية يخلق وظائف، لكنه يبقي الإيرادات طويلة الأجل لدى مالك الشخصيات والقصص.

رئيس مدرسة الفنون السينمائية في "جامعة عفت" أوضح أن هذا هو الفارق بين دولة تقدم خدمات الإنتاج، ودولة تمتلك المحتوى وتصدره، كما تفعل الولايات المتحدة واليابان.

شخصيات تعيش 30 عامًا

لا تضمن أفلام الرسوم المتحركة بالضرورة عائدًا سينمائيًا أعلى من الأفلام التقليدية، لكن قدرتها على الاستمرار تمنحها ميزة عند قياس العائد على الاستثمار طوال عمر المشروع.

فبينما تنتهي الدورة التجارية الأساسية للفيلم التقليدي غالبًا بعد السينما والمنصات، يمكن لشخصية متحركة ناجحة أن تعيش 20 أو 30 عامًا، وتنتقل من فيلم إلى مسلسل، ثم إلى لعبة إلكترونية ومنتجات استهلاكية ومحتوى تعليمي وتجارب ترفيهية.

ظهرت مؤشرات محلية مشجعة مع شخصيات "مسامير" وتجربة فيلم "الرحلة". إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب تحويل الشخصيات السعودية إلى علامات قادرة على الاستمرار والتوسع خارج السوق المحلية.

ختم غزالة بأن الاستثمار الحقيقي لا يكمن في إنتاج فيلم رسوم متحركة واحد "بل في امتلاك شخصية سعودية يحبها الجمهور".

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية