تشهد المدن السعودية الكبرى توجها نحو شقق التمليك كخيار سكني مفضل للأسر، في ظل تفاوت أسعارها بين 500 ألف ريال وصولا إلى مليون ريال، ما يجعلها في متناول العائلات الصغيرة نسبيا، وفق ما ذكره عاملون في القطاع لـ"الاقتصادية".
التفاوت في الأسعار يحكمه الموقع والمساحة والجودة في التصميم، إضافة إلى توافر الخدمات والمرافق، وسط تذبذب سعري حالي، ترقبا لمدى تأثير قرارات التوازن العقاري.
قال لـ"الاقتصادية" مختصون في
القطاع العقاري "إن المرحلة الحالية تشهدا حذرا من الشركات والمطورين التي تعيد دراسة جدوى مشاريعها على أسس أكثر تحفظا لضبط التدفقات النقدية، وتبني نماذج أكثر مرونة في إدارة التخارج والسيولة، من خلال إعادة هيكلة آليات البيع، مثل البيع على مراحل، أو الدخول في شراكات استثمارية مع صناديق أو مستثمرين مؤسسيين، بهدف تدوير رأس المال".
أكد الرئيس التنفيذي لشركة أفق العلا العقارية، خالد المحسن أن أي قرارات تنظيمية أو مالية تؤثر في شهية الشراء في مرحلتها الأولى، ويظهر الحذر خصوصا مع ارتفاع تكلفة التمويل، ما يبطئ حركة البيع مؤقتا دون أن يوقف السوق.
وقال "أما المطورون والشركات، فهذه مرحلة تكيف لا تراجع، ففي مثل هذه الدورات تنخفض هوامش الربح، ما يستوجب إعادة احتساب الجدوى على أسس أكثر تحفظا، وضبط التدفقات النقدية، ومراجعة التكاليف بدقة".
وأشار إلى أن من يتعامل بمرونة مالية وإدارية سيستمر في التوسع، لكن بوتيرة محسوبة تتناسب مع معطيات السوق الحالية، ففي فترات التباطؤ، تكون الإدارة الذكية أهم من الجرأة، والانضباط المالي أهم من التوسع السريع.
لا انعكاس ملحوظ على أسعار الإيجارات في المدن
العقاري خالد الحميد أوضح في مستهل حديثه أن حجم النمو في قطاع شقق التمليك لا يمكن وصفه بالقوي حاليا في ظل المنافسة الشديدة وتعدد خيارات الوحدات السكنية، مشيرا إلى أن توافر شقق التمليك لم ينعكس على أسعار الإيجارات في المدن السعودية - باستثناء الرياض التي شهدت تثبيت أسعار الإيجارات السكنية والتجارية فيها لمدة 5 سنوات - حيث لا تزال محافظة على ثباتها، مؤكدا أن الوقت لا يزال مبكرا للحكم على أثر التوازن العقاري في خفض الأسعار، إذ قد نحتاج لفترة تمتد من ثلاثة إلى أربعة أشهر للمس المخرجات الحقيقية.
صادق على هذا الرأي، المسوق العقاري تركي المطيري الذي أوضح أن عدم تأثر الإيجارات بزيادة شقق التمليك بتوجه بعض الملاك لاستغلال وحداتهم في التأجير اليومي والشهري عبر التطبيقات السياحية، ما يخرجها من دائرة العرض المخصص للإيجار السنوي.
جنوب وغرب العاصمة الأرخص بأسعار تبدأ من 550 ألف ريال
فيما يخص الأسعار في مدينة الرياض، ذكر الحميد أنها متفاوتة بحسب الموقع والخدمات، حيث تبدأ من 700 ألف ريال في شرق المدينة للشقق التي لا تقل مساحتها عن 150 مترا مربعا، وتتجاوز المليون ريال مع زيادة المساحة، بينما تبدأ الأسعار من 550 ألف ريال في جنوبها للمساحات ذاتها، وهو ما أرجعه لقلة الإقبال على تلك الجهات.
من جانبه أيد المسوق العقاري "أبو عبد العزيز" هذا الطرح، موضحا أن وفرة الوحدات السكنية مع ضعف القوة الشرائية الحالية قد ساهم في ركود حركة البيع، مبينا أن الأسعار في غرب الرياض تبدأ من 650 ألف ريال لمساحة 180 مترا مربعا.
الأراضي الرخيصة في المدن الصغيرة تكبح الطلب
في سياق متصل، أجمع معظم المسوقين الذين التقتهم "الاقتصادية" على أن الطلب يتركز في المدن الكبرى مثل
الرياض و
جدة، نظرا لتوافر الأراضي بأسعار معقولة في المحافظات والمدن الطرفية، ما يكبح الطلب على الشقق هناك.
أشار المطيري إلى أن الأسعار في أطراف المدينة تبدأ من 500 ألف ريال لمساحة 120 مترا مربعا، بينما تصل في وسط وشمال وشرق العاصمة إلى مليون ريال، مؤكدا أن الموقع الحيوي يمنح الشقق الصغيرة قيمة أعلى من الشقق الكبيرة في المواقع البعيدة.
السوق تعيد ضبط العلاقة بين العرض والطلب
من جهته قال الخبير في القطاع العقاري عبدالله الموسى "إنه مع مرور الوقت في تطبيق إجراءات التوازن في السوق العقارية، أصبح الحذر سمة واضحة في سلوك المشترين، وهو أمر طبيعي في المراحل التي يعاد فيها ضبط العلاقة بين العرض والطلب، وهذا الترقب انعكس بشكل مباشر على وتيرة بيع المشاريع السكنية والتجارية".
أضاف "أصبحت قرارات الشراء مدروسة أكثر، ولم تعد سرعة البيع كما كانت في الفترات السابقة التي اتسمت باندفاع السيولة وارتفاع مستويات الطلب".
لكنه لفت إلى أن الشركات والمطورين لم يتوقفوا عن التوسع، بل بدأوا في تبني نماذج أكثر مرونة في إدارة التخارج والسيولة، من خلال إعادة هيكلة آليات البيع، مثل البيع على مراحل، أو الدخول في شراكات استثمارية مع صناديق أو مستثمرين مؤسسيين، بهدف تدوير رأس المال واستمرار دورة التطوير دون الاعتماد الكامل على البيع الفوري.
وفقا للموسى، يتجه بعض المطورين إلى إعادة ترتيب محافظهم العقارية عبر التخارج الجزئي من بعض المشاريع أو الأصول، بما يعزز قدرتهم على توجيه السيولة نحو مشاريع جديدة تتوافق بشكل أكبر مع الطلب الفعلي في السوق.
وقال "تعكس هذه المرحلة انتقال السوق العقارية إلى مستوى أعلى من النضج، حيث لم يعد النجاح مرتبطًا بسرعة البيع فقط، بل بقدرة المطور على إدارة التدفقات النقدية بكفاءة، وتقديم منتجات عقارية تتناسب مع القدرة الشرائية الحقيقية للمستفيد النهائي".
الأحياء الشمالية الأكثر طلبا والأسرع بيعا
تتصدر أحياء شمال الرياض مثل النرجس، والعارض، والياسمين، والملقا، إضافة إلى أحياء قرطبة واليرموك في الشرق، قائمة المواقع الأكثر طلبا والأسرع مبيعا.
اختتم المطيري حديثه بالإشارة إلى أن قرارات التوازن العقاري أسهمت في تهدئة السوق وأجبرت المطورين على إعادة حساباتهم والبدء في تصحيح المسار، لافتا إلى أن تمسك بعض المطورين بأسعار مرتفعة لا تتناسب مع المساحات المعروضة، بناء على توقعات باستمرار صعود السوق ما بعد الجائحة، هو السبب الرئيس وراء تعثر مبيعات بعض الوحدات.
ماذا يقول ملاك شقق التمليك؟
يرى ملاك شقق التمليك أنها أصبحت مطلبا ملحا لعديد من الأسر في المدن الكبرى، التي باتت تفضلها على الفلل والمساحات الشاسعة، تماشيا مع تغير التوجهات الاجتماعية والنهضة العمرانية المتسارعة في المنطقة.
في هذا السياق، أوضح عبد الرحمن العتيبي، وهو مالك لشقة تمليك، أن دافعه الأساسي للشراء يكمن في سهولة التأثيث وانخفاض التكاليف التشغيلية للمنزل، مؤكدا أن هذه الشقق تمثل خيارا مثاليا للأسر الصغيرة التي لا يتجاوز عدد أفرادها 5 أشخاص، بهدف التخلص من أعباء الإيجار والهدر المادي، والاستفادة من العقار كاستثمار مستقبلي.
كما أشار إلى أن قيمة الوحدة السكنية ترتبط ارتباطا وثيقا بالمساحة والموقع، مبينا أن الأسعار تشهد تفاوتا ملحوظا، حيث قام بشراء شقته الواقعة في غرب مدينة الرياض بمساحة 127 مترا مربعا، بمبلغ قدره 470 ألف ريال قبل نحو 3 أعوام.
من جانبه أكد راكان الحارثي، أحد الملاك أيضا، أن شقق التمليك هي الخيار الأمثل للشراء في ظل القدرة المادية المتاحة والكثافة السكانية المتزايدة، خاصة أن مدينة الرياض تشهد توسعا معماريا كبيرا تزامنا مع ارتفاع أسعار الفلل والوحدات السكنية ذات المساحات الكبيرة.
الحارثي لفت الانتباه إلى أن بعض الأحياء الجديدة لا تزال تفتقر إلى المرافق الصحية والتعليمية، وهو ما يشكل هاجسا وعائقا أمام اتخاذ قرار الشراء في تلك المناطق. واختتم الحارثي حديثه بالإشارة إلى تجربته الشخصية، حيث اشترى شقته في غرب الرياض بمساحة 270 مترا مربعا، بقيمة 720 ألف ريال.
أسعار العقارات في الرياض تواصل التراجع للربع الثالث
تراجعت
أسعار العقارات في السعودية خلال الربع الرابع من 2025 لأول مرة خلال 4 أعوام وهي فترة البيانات المتاحة من الهيئة العامة للإحصاء، لتنخفض 0.7% على أساس سنوي.
واصلت أسعار العقارات في العاصمة الرياض، تراجعها على أساس فصلي للربع الثالث على التوالي، لتنخفض 0.9% في الربع الرابع.
وفق وحدة التحليل المالي في "الاقتصادية"، جاء التراجع على أساس سنوي في السعودية نتيجة تراجع أسعار العقارات السكنية صاحبة الوزن الأكبر في المؤشر (72.2%) بنسبة 2.2% في ثاني هبوط ربعي على التوالي نتيجة هبوط أسعار الأراضي للربع الثاني على التوالي، في ظل تأثيرها الكبير الذي يقارب نصف المؤشر، كما تراجعت أسعار الفلل والشقق والأدوار جميعا بنسب متفاوتة.
تأتي تراجعات الأسعار بعد توجيهات حكومية بضبط توازن السوق العقارية قبل عام وبالتحديد في مارس 2025، بمجموعة من الإجراءات الهادفة لمعالجة ارتفاع أسعار العقارات في العاصمة.