الأربعاء, 23 سبتمبر 2026|10 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

تفتح الرياض الباب أمام فرص اقتصادية بمليارات الدولارات، عبر توظيف تقنيات المدن الذكية في معالجة تحدياتها الحضرية، بدءا من ارتفاع تكاليف الطاقة والتبريد، مرورا بطفرة البناء والتطوير، ووصولاً إلى تحسين كفاءة البنية التحتية.

كشف تقرير جديد صادر عن «جيه إل إل» أن المدن الذكية حول العالم قادرة على تحقيق قيمة اقتصادية بمليارات الدولارات، من خلال التعامل مع مبادراتها التقنية، باعتبارها فئة استثمارية جادة وعالية الأداء، بدلاً من اعتبارها إنفاقاً تجريبياً على الابتكار.

عند تقييم هذه المبادرات باستخدام المعايير المالية الصارمة ذاتها المطبقة على البنية التحتية أو العقارات، مثل صافي القيمة الحالية (NPV) ومعدل العائد الداخلي (IRR) وفترات الاسترداد، تثبت مشاريع المدن الذكية أنها فرصة استثمارية جذابة وفئة أصول عالية الأداء.

الرياض.. 3 حالات استخدام ذات أولوية

يحدد تقرير «مدن ذكية، استثمارات ذكية؟» علاقة مباشرة بين توظيف التقنيات والعوائد المالية والنمو الاقتصادي على مستوى المدينة.

التقرير يقدم تحليلاً مالياً مفصلاً لكل حالة استخدام تقنية في الرياض، عاصمة السعودية ومركزها الاقتصادي الرئيسي، ويحدد 3 حالات استخدام ذات أولوية في العاصمة.

تشمل هذه الحالات تحليلات الطاقة بالذكاء الاصطناعي لتبريد المباني بكفاءة في المناخ الحار والجاف للمدينة، والبناء الذكي لتعزيز الكفاءة في تطوير البنية التحتية، وحلول إنارة الشوارع الذكية لتحسين استخدام الطاقة في الممرات الجديدة ومواقف السيارات.

يعد الاستثمار في المدن الذكية عاملاً أساسياً لتحقيق الأهداف الطموحة لرؤية السعودية 2030، ويحدد التحليل مجموعة فريدة من التقنيات القادرة على دعم التنمية غير المسبوقة التي تشهدها العاصمة.

اقرأ أيضا: سوق إدارة المرافق السعودي يتجاوز 50 مليار دولار بدعم المدن الذكية | صحيفة الاقتصادية

الذكاء الاصطناعي والطاقة.. 1.8 مليار دولار

مع تحقيق التوازن بين تكاليف الطاقة والراحة في مناخ الرياض الحار، تتصدر تحليلات الطاقة بالذكاء الاصطناعي قائمة حالات الاستخدام.

تحقق هذه التقنية صافي قيمة حالية تتجاوز 1.8 مليار دولار، مع فترة استرداد سريعة تبلغ 4.9 سنوات، وهي أسرع فترة عائد لهذا النوع من التقنيات بين المدن العالمية الخمس التي شملتها الدراسة.

يمكن أن يسهم تحسين أنظمة التدفئة والتهوية وتكييف الهواء في توفير 20% من تكاليف التشغيل السنوية، بما يدعم بشكل مباشر محفزات الناتج المحلي الإجمالي المرتبطة بالصحة والتجارة.

تكتسب هذه الحالة أهمية خاصة بالنسبة للرياض، حيث يجعل المناخ الحار والجاف إدارة استهلاك الطاقة وتكاليف التبريد من القضايا الرئيسية المرتبطة بكفاءة المباني وتشغيلها.

اقرأ أيضا: السعودية : كود الطرق يعزز جاهزية البنية التحتية للمركبات ذاتية القيادة | صحيفة الاقتصادية

البناء الذكي.. أكثر من 3.8 مليار دولار

يُعد البناء الذكي ضرورة أساسية لإدارة طفرة التنمية المستمرة في المملكة.

مع صافي قيمة حالية متوقعة يتجاوز 3.8 مليار دولار على مدى فترة استرداد تبلغ 5.9 سنوات، تمثل هذه الحلول ضرورة للحد من الهدر والتأخير في تحقيق مستهدفات النمو الطموحة للمدينة.

يكتسب هذا النوع من التقنيات أهمية في ظل حجم التطوير المستمر في الرياض والسعودية، حيث يمكن لتحسين كفاءة عمليات البناء أن يدعم إدارة المشاريع والبنية التحتية بصورة أكثر فاعلية، ويسهم في الحد من التكاليف غير الضرورية المرتبطة بالتأخير والهدر.

التقرير يقدم تحليلاً مالياً مفصلاً لكل حالة استخدام تقنية في الرياض
التقرير يقدم تحليلاً مالياً مفصلاً لكل حالة استخدام تقنية في الرياض
الرياض 66666

إنارة الشوارع.. استرداد خلال 1.3 عام

أخيراً، توفر إنارة الشوارع الذكيّة فرصة واعدة لتحسين البنية التحتية المخصصة للمشاة في مختلف مشاريع التطوير الجديدة في الرياض.

تحقق حالة الاستخدام هذه صافي قيمة حالية يقارب 270 مليون دولار خلال 1.3 سنة فقط، وهي أسرع فترة استرداد لأي تقنية تم تحليلها في التقرير.

توفر هذه الحلول إمكانية تحسين استخدام الطاقة في الممرات الجديدة ومواقف السيارات، بما يعزز كفاءة تشغيل البنية التحتية في المناطق التي تشهد توسعاً وتطويراً حضرياً متواصلاً.

اقرأ أيضا: كيف تدعم تكنولوجيا الفيديو من المدن الذكية في السعودية؟ | صحيفة الاقتصادية

العائد الأكبر.. خارج حدود التوفير التشغيلي

من أبرز نتائج التقرير أن أكبر الفوائد الاقتصادية تأتي من «محفزات الناتج المحلي الإجمالي»، أي الآثار الاقتصادية غير المباشرة الناتجة عن توظيف التقنيات.

تُحدث هذه الآثار تأثيراً مضاعفاً من خلال المكاسب في قطاعات التجارة والتطوير والصحة والإنتاجية والاستدامة.

تُسهم هذه العوامل في تحويل تقنيات المدن الذكية من مجرد تحسينات تشغيلية إلى بنية تحتية فاعلة، يمكن أن تؤثر في أداء الاقتصاد الحضري على نطاق أوسع.

يُمكن لتوظيف التقنيات أن يؤثر في كفاءة تشغيل المباني، وإنتاجية مساهمة الأفراد في الاقتصاد، وجاذبية المدينة للاستثمار، وحجم التكاليف غير الضرورية التي يمكن إزالتها من المنظومة الأوسع.

تضع نتائج التقرير الرياض في موقع بارز ضمن النقاش العالمي حول مستقبل المدن الذكية
تضع نتائج التقرير الرياض في موقع بارز ضمن النقاش العالمي حول مستقبل المدن الذكية
كافد 4444

لا توجد وصفة واحدة للمدن الذكية

الأهم أن التقرير يخلص إلى أن العوائد تعتمد بدرجة كبيرة على الخصائص المحلية.

إذ لا ينجح النهج الموحد، في حين تتحقق أعلى العوائد عند اختيار التقنيات لمعالجة التحديات الفريدة لكل مدينة.

تبرز الرياض في هذا السياق باعتبارها نموذجاً واضحاً لهذه المقاربة؛ فتحليلات الطاقة بالذكاء الاصطناعي تستجيب لمشكلة التبريد في المناخ الحار والجاف، بينما يستجيب البناء الذكي لحجم التنمية والبنية التحتية، في حين تستهدف إنارة الشوارع الذكية كفاءة الطاقة في الممرات الجديدة ومواقف السيارات.

اقرأ أيضا: الرياض تتصدر سباق مراكز البيانات خليجيا في رهان على الذكاء الاصطناعي | صحيفة الاقتصادية

«المدن الذكية».. من خيار إضافي إلى فئة أصول

الدكتور ماثيو مارسون، العضو المنتدب في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ للاستشارات التقنية في «جيه إل إل»، قال: «على مستوى العالم، انحصر النقاش حول المدن الذكية في إمكاناتها، مع اعتبارها خياراً إضافياً. وتغيّر بياناتنا هذا النقاش نحو التركيز على الأداء. توضح الدراسة الجديدة أن التقنيات الذكية تحقق عوائد مالية قابلة للقياس، ويمكن نشرها على نطاق واسع، وتسهم في معالجة التحديات الحضرية الواقعية، بما يحقق قيمة اقتصادية واضحة لمخططي المدن والمستثمرين والمطورين على حد سواء».

أضاف مارسون: «التعامل مع هذه التقنيات باعتبارها بنية تحتية أساسية يحولها إلى فئة أصول ناضجة، مدعومة بطلب محلي حقيقي يمكن للمستثمرين الاستفادة منه».

فرصة استثمارية تتجاوز التقنية

عند تطبيق تقنيات المدن الذكية على التحديات الخاصة بكل مدينة، فإنها تتجاوز كونها شكلاً تكتيكياً ومحدوداً من التحول الرقمي، لتوفر وسيلة لتحفيز النمو الاقتصادي ومكاسب الإنتاجية على نطاق واسع.

ويعني ذلك أن القيمة المحتملة للتكنولوجيا لا تقتصر على تحسين الخدمات أو خفض تكاليف التشغيل، وإنما تمتد إلى قدرة المدينة على تحسين كفاءة مبانيها، ورفع إنتاجية القوى العاملة، وتعزيز جاذبيتها للمستثمرين، وتقليص التكاليف غير الضرورية في المنظومة الاقتصادية الأوسع.

ويتطلب الاستفادة من هذه الفرصة التي تقدر بمليارات الدولارات تحولاً جوهرياً في النهج الذي يتبعه أصحاب المصلحة في المنطقة تجاه التقنيات.

نقل المدن الذكية إلى صميم السياسة الاقتصادية

بالنسبة لقادة المدن، يعني ذلك نقل ميزانيات المدن الذكية من مشتريات تقنية المعلومات إلى صميم السياسات الاقتصادية، مدعومة بدراسات جدوى واضحة ومعايير صارمة لقياس الأداء.

أما المستثمرون في المنطقة، فتفتح هذه التوجهات أمامهم فئة أصول مرنة وذات مستوى مؤسسي، مدفوعة بطلب محلي ملموس.

ويمكن للمطورين والمشغلين الذين يدمجون هذه التقنيات الذكية منذ المراحل الأولى ضمان قيمة الأصول وأدائها وعمرها التشغيلي.

وهذا التحول في طريقة النظر إلى التقنيات الذكية يضع الاستثمار في المدن في إطار مختلف، بحيث يصبح السؤال الأساسي ليس ما إذا كانت المدينة قادرة على تبني التكنولوجيا، وإنما ما القيمة الاقتصادية التي يمكن أن تحققها هذه التكنولوجيا عند تطبيقها على احتياجات المدينة الفعلية.

خارطة طريق من 5 خطوات

لتسهيل هذا التحول، يحدد التقرير خارطة طريق عملية من 5 خطوات.

وتدعو الخارطة القادة إلى تحديد أهداف اقتصادية واضحة وقياسها وفقاً للخصائص الفريدة لمدينتهم، بدءاً من تكاليف الطاقة ووصولاً إلى الكثافة السكانية.

وتتمثل الخطوة التالية في اختيار محفظة متوازنة من مشاريع التقنية التي تخدم مصالح المستثمرين والمجتمع على حد سواء، مع استخدام المشاريع التجريبية للتحقق من العوائد المالية وقابلية التوسع.

وأخيراً، ولضمان النجاح على المدى الطويل، يجب على المدن ترسيخ هذه القدرات ضمن منظومتها المؤسسية، من خلال دمج تحليلات البيانات والمراجعة الاستراتيجية ووضع سياسات المدن الذكية في عملياتها الأساسية.

الرياض.. اختبار عملي لاقتصاد المدن الذكية

تضع نتائج التقرير الرياض في موقع بارز ضمن النقاش العالمي حول مستقبل المدن الذكية، ليس فقط باعتبارها مدينة تتوسع في استخدام التقنيات الحديثة، وإنما باعتبارها مدينة يمكن أن تخضع فيها هذه التقنيات لاختبار مالي واقتصادي واضح.

فثلاثة مجالات محددة ــ الطاقة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والبناء الذكي، وإنارة الشوارع الذكية ــ تكشف، وفق تحليل «جيه إل إل»، عن فرص مالية كبيرة، تتفاوت في حجم العائد وسرعة استرداد الاستثمار.

وفي الوقت نفسه، فإن القيمة الأوسع لهذه الاستثمارات قد تتجاوز العوائد المباشرة، لتشمل تأثيرات غير مباشرة على التجارة والتطوير والصحة والإنتاجية والاستدامة.

وبذلك، لا تطرح الدراسة المدن الذكية باعتبارها مجرد مشروع للتحول الرقمي، بل باعتبارها جزءاً من البنية الاقتصادية للمدينة، وفئة استثمارية يمكن قياس أدائها وعوائدها، وهو ما يمنح الرياض والسعودية فرصة لربط التطور التقني مباشرة بأهداف النمو الاقتصادي والتنمية الحضرية في إطار رؤية السعودية 2030.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية