يشهد سوق توصيل البقالات في السعودية نموا متسارعا خلال السنوات الأخيرة، مدفوعا بارتفاع الطلب على الخدمات الرقمية وتغير سلوك المستهلك نحو الطلب عبر التطبيقات بدل زيارة المتاجر التقليدية، ما رفع وتيرة المنافسة بين المنصات، في قطاع يعرف بهوامش ربح محدودة وتكاليف تشغيل ولوجستيات مرتفعة.
في هذا السياق، برز تطبيق "نعناع" كأحد أوائل التطبيقات المحلية في هذا المجال، حيث انطلق في 2016 بنموذج يعتمد على مناديب يشترون الطلبات من متاجر قائمة، قبل أن يتوسع لاحقا عبر إنشاء متاجر صغيرة داخل الأحياء لتسريع التوصيل.
وصل عدد فروعه إلى 36 فرعا، قبل أن يتراجع لاحقا إلى 16 فرعا، مع تغير في نموذج التشغيل وإيقاف بعض الخدمات في مواقع محددة.
تسارع التمويل خلال فترة قصيرة
بحسب بيانات الشركة والمستثمرين، جمعت نعناع 211.9 مليون دولار (796 مليون ريال) عبر 6 جولات تمويلية منذ تأسيسها.
بدأت الشركة بجولة تأسيسية في 2016 بنحو 2.1 مليون دولار، تلتها أداة دين قابلة للتحويل في 2017 بقيمة 2.2 مليون دولار، قبل أن تدخل مرحلة النمو عبر جولة Series A في 2019 بقيمة 6.6 مليون دولار.
في 2020، أغلقت جولة Series B بقيمة 18 مليون دولار بقيادة STV، ثم جمعت 50 مليون دولار في جولة مرحلية خلال 2022، وصولا إلى أكبر جولة في تاريخها خلال 2023 بقيمة 133 مليون دولار.
يمثل التمويل خلال 2022 و 2023 أكثر من 85% من إجمالي التمويل، ما يعكس تسارعا كبيرا في ضخ الاستثمارات بالتوازي مع التوسع التشغيلي.
تحول النمو إلى تحدي الاستدامة
اعتمدت الشركة خلال هذه المرحلة على نموذج "التجارة السريعة"، القائم على تقليص زمن التوصيل والتوسع الجغرافي، وهو نموذج يعزز تجربة العميل لكنه يرفع من التكاليف التشغيلية، خصوصا في مراحل التوسع.
مع زيادة عدد الفروع وتوسيع نطاق الخدمات، ارتفع الضغط على الهوامش التشغيلية، في ظل بيئة تنافسية تعتمد على التسعير والخدمة السريعة.
حاولت "الاقتصادية" التواصل مع تطبيق نعناع للحصول على توضيح رسمي بشأن وضعها المالي والإجراءات الأخيرة، إلا أنها لم تتلق أي رد حتى وقت النشر.
x
القراءة القانونية
المختص القانوني أحمد المحيميد، يرى أن ما يتم تداوله حول "نعناع" لا يعني إعادة هيكلة أو عودة للنشاط كما يعتقد، بل هو دخول في إجراءات الإفلاس التي تُنظم حقوق الدائنين ولا تعيد تشغيل الكيان.
المحيمد أكد أن الكيان انتهى نظاميا، ولا مجال لعودته بنفس الشكل، وما تبقى هو تصفية الأصول وإقفال الملف، مشيرا إلى أن أي نشاط قادم سيكون عبر كيان جديد وبنموذج مختلف، وليس امتدادا للشركة الحالية".
مسار إعادة التنظيم
من جانب آخر، أوضحت المختصة القانونية مريم الحربي، أن افتتاح إجراء إعادة التنظيم المالي يعني دخول الشركة مسار نظامي لإعادة هيكلة ديونها تحت إشراف المحكمة وأمين الإفلاس، بهدف الاستمرار في النشاط لا إنهائه.
بينت أن هذا الإجراء يعلق مطالبات الدائنين الفردية، ويلزمهم بالتقدم بمطالباتهم ضمن مسار جماعي منظم، مع استمرار إدارة الشركة لنشاطها تحت رقابة، مشيرة إلى أن نجاح خطة إعادة التنظيم قد يتيح استمرار الشركة، بينما فشلها قد يقود إلى التصفية".
قراءة السوق والتشغيل
من جانبه قال رئيس جمعية ملاك المطاعم والمقاهي في جدة عبدالله السلامة، إن من أسباب تعثر بعض التطبيقات ضعف التوطين، مؤكدا أن غياب الكوادر المحلية يؤثر على فهم السوق وإدارته، خاصة في قطاع يعتمد على سلوك المستهلك المحلي.
أضاف أن "التوصيل المجاني" في بعض التطبيقات يعد ممارسة غير مهنية، ويقترب من صور الإغراق التجاري، في ظل تقديم الخدمة بأسعار لا تعكس تكلفتها الحقيقية، ما يخلق منافسة غير عادلة داخل السوق.
أكد أن هذه الممارسات تستدعي تشريعات أكثر وضوحا وصرامة لضبط المنافسة، مشيرا إلى أن السوق لا يزال بحاجة إلى مزيد من الشركات، لكن التحدي الحقيقي يبقى في تحقيق التوازن بين النمو والاستدامة".
أداء السوق
ذكر رئيس لجنة القطاع اللوجستي في غرفة الرياض محمد العكلي "أن بيانات التوصيل ما زالت قوية، حيث تتجاوز بعض التطبيقات حاجز المليون طلب يوميا، فيما تقترب تطبيقات أخرى من نحو 600 ألف طلب يوميا.
العكلي أضاف أن السوق، رغم نموه، يمر بمرحلة حساسة، مؤكدا أن البقاء لن يكون للأكثر توسعا، بل للأقدر على إدارة عملياته التشغيلية بكفاءة".
تعكس تجربة نعناع انتقالا سريعا من شركة ناشئة إلى شركة توسع مكثف مدعومة برأس مال كبير، قبل أن تواجه تحديات الاستدامة التشغيلية، ما قادها إلى الدخول في مسار إعادة التنظيم المالي.
يبرز ذلك تحولا في طبيعة المنافسة داخل القطاع، من التركيز على النمو والتوسع إلى التركيز على الكفاءة التشغيلية والربحية.





