مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة وتأثر بعض مسارات الشحن البحري والجوي البري المرتبطة بالخليج، بدأت الأسواق الاستهلاكية في السعودية تشهد تغيرات ملحوظة في سلوك المستهلكين، خاصة مع اقتراب نهاية موسم رمضان، الذي يعد من أعلى مواسم الطلب السنوي على السلع الغذائية والاستهلاكية.
أدت المخاوف من تأخر الإمدادات القادمة عبر خطوط الملاحة في الخليج أو الشحن الجوي المرتبطة بالتجارة الإلكترونية إلى تسريع وتيرة الشراء لدى بعض الأسر، ما انعكس في نشاط واضح في الأسواق التقليدية والمراكز التجارية، مقابل تسجيل تأخيرات محدودة في تسليم بعض الطلبيات الإلكترونية القادمة من الخارج.
رغم هذه التطورات، يؤكد مختصون أن الأسواق السعودية ما زالت تتمتع بمستويات مرتفعة من المخزون السلعي وقدرة عالية على استيعاب أي اضطرابات مؤقتة في سلاسل الإمداد، ما يحد من احتمالات حدوث نقص في المعروض ويجعل التأثيرات في الوقت الراهن تقتصر على ارتفاعات محدودة في الأسعار وتحول مؤقت في أنماط التسوق.
وتبرز هذه التحولات بشكل أوضح في 3 مدن رئيسية تمثل مراكز استهلاكية وتجارية مهمة في السعودية هي: المنطقة الشرقية والرياض وجدة، حيث رصدت جولات ميدانية وحديث عدد من المختصين تغيرات متفاوتة في حركة الأسواق مع اقتراب موسم العيد.
لا أثر في الطلبيات حاليا
تشهد سوق التجارة الإلكترونية في السعودية نمواً متسارعاً، حيث يقدر عدد الطلبيات السنوية بحوالي 200 مليون طلبية، أي ما يقارب 550 ألف طلبية يومياً، مع استمرار نمو القطاع خلال السنوات الأخيرة بمعدلات تتجاوز 30% سنوياً، ما يجعلها من أكبر أسواق التجارة الإلكترونية في المنطقة، بحسب ريان قطب، رئيس المجلس اللوجستي في غرفة جدة.
يشير قطب إلى أن غالبية شحنات التجارة الإلكترونية تصل إلى السعودية عبر الشحن الجوي نظراً لطبيعة الطلبيات وسرعة التسليم المطلوبة، فيما يصل جزء محدود من البضائع عبر الشحن البحري لتغذية المخزون في مراكز التوزيع داخل السعودية.
وتزامنا مع الأحداث الحالية، أكد رئيس المجلس اللوجستي في غرفة جدة أن الشحن البحري لم يظهر تأثيراً مباشراً في الطلبيات في الوقت الحالي، نظراً لطبيعة هذا النوع من الشحن الذي يحتاج فترة أطول للوصول.
فيما يتعلق بالشحن الجوي، فقد أكد قطب أن حركة الشحن إلى السعودية تسير بشكل طبيعي، رغم بعض الاضطرابات المؤقتة في المسارات الجوية تزامنا مع الأحداث في المنطقة.
وأوضح أن ما يحدث حالياً ليس توقفاً للشحنات في المطارات، بل تعديل في بعض الرحلات الجوية نتيجة إغلاق بعض الأجواء في المنطقة وإلغاء عدد من الرحلات، وهو ما أدى إلى إعادة توجيه جزء من شحنات التجارة الإلكترونية القادمة من الخارج – خصوصاً من الصين – لتصل مباشرة إلى المطارات السعودية.
يتطلب هذا التحول وقتاً قصيراً لإعادة ترتيب المسارات الجوية ومعالجة الطلبات السابقة، وهو ما قد يسبب تأخيرات محدودة، بحسب قطب.
السوق المحلية .. بديل سريع ونشاط ملحوظ
في ظل الظروف المؤقتة، لوحظ أن بعض المستهلكين اتجهوا إلى الشراء من الأسواق المحلية لضمان الحصول على المنتجات بسرعة، خصوصاً مع اقتراب موسم العيد.
أدى هذا إلى نشاط ملحوظ في حركة المتاجر التقليدية، بحسب قطب، الذي أكد في الوقت ذاته أن حركة التجارة الإلكترونية وخدمات الشحن مستقرة ولا يوجد ما يدعو للقلق.
أسواق التجزئة في المنطقة الشرقية شهدت كذلك نشاطاً ملحوظاً خلال الأيام الماضية، مع تزايد الإقبال على شراء مزيد من السلع الغذائية والاستهلاكية في المراكز التجارية خلال الأسبوع الأخير مقارنة بالفترة التي سبقتها.
أحمد العنيزي، المختص في دراسة اقتصاديات السوق، قال بدوره: إن أي اضطراب في خطوط الملاحة القريبة من الخليج ينعكس سريعاً على سلوك المستهلكين في المنطقة.
لذلك، يشير العنيزي إلى أن كثيراً من الأسر تميل في مثل هذه الظروف إلى الشراء المبكر للسلع الأساسية، خاصة في شهر رمضان الذي يشهد تقليدياً ارتفاعاً في الطلب.
عمر الشيخ، المختص في قطاع التجزئة، قال: إن المتاجر الكبرى والمراكز التجارية في المنطقة الشرقية سجلت زيادة في أعداد المتسوقين، قدّرها بنسبة تراوح بين 10 - 20% خلال الأسبوع الماضي.
ويرى الشيخ أن هذه الزيادة تعود في جانب منها إلى مخاوف غير مبررة من تأخر وصول بعض السلع بسبب التطورات الراهنة، لكنه قال إن هذا السلوك يتكرر سنوياً مع اقتراب موسم العيد بدرجات متفاوتة.
عمر طيب، المستثمر في قطاع التجارة الإلكترونية، أكد أن الأسواق السعودية تتميز بتنوع قنوات التجارة بين التجارة التقليدية في المولات والأسواق، وبين التجارة الإلكترونية، وأن الأسواق أو المراكز التجارية لديها معروض كبير في السلع والمنتجات وبأسعار معقولة جداً.
بحسب ما ذكره لـ"الاقتصادية" في وقت سابق محمد إقبال، رئيس مجلس إدارة شركة أزاد العقارية، فإن حجم تجارة التجزئة في السعودية يبلغ حالياً نحو 370 مليار ريال، مع توقعات بارتفاعه إلى نحو 470 مليار ريال بحلول 2030.
وأوضح أن القطاع مرشح لتحقيق نمو سنوي يتراوح بين 4 و5% خلال الأعوام الـ5 المقبلة، مدعوماً بتوسع المراكز التجارية والاستثمارات الكبيرة في قطاع التجزئة.
وأشار إلى أن المراكز التجارية المنظمة تستحوذ حالياً على ما بين 30 و40% من حجم سوق التجزئة في السعودية، في مؤشر واضح على التحول المتسارع نحو قنوات التسوق الحديثة.
كما لفت إلى أن قطاع التجزئة، خاصة في فئة الإنفاق متوسط الدخل، يسجل نموا سنويا يتراوح بين 7 و8%، مدعوماً بتغير أنماط الشراء مع توسع التجارة الإلكترونية وانتشار برامج تقسيط المشتريات.
أثر محدود في التجارة الإلكترونية
فواز تركستاني، المستثمر في قطاع التجارة الإلكترونية، يرى بدوره أن المستهلك بات متخوفاً من تأخر الشحنات مع اقتراب عيد الفطر، رغم سير الحركة الجوية في مطارات السعودية بشكل طبيعي، وإن حدث أحياناً توقف بسيط أو تأخير محدود في بعض الرحلات. وقال: "لذلك أصبح التوجه للمستهلكين الذهاب مباشرة إلى المتاجر".
أضاف: "الطلبات مستمرة وثابتة ولم يحدث فيها أي تغيير. الشحن والتوصيل الداخلي داخل السعودية يسيران بشكل سريع وطبيعي، بل ربما أصبحا أسرع خلال هذه الفترة الحالية".
الشفيع إبراهيم، المسؤول عن توزيع وفرز الشحنات المرتبطة بطلبات التجارة الإلكترونية، يرى أن تأثير التوترات في قطاع التجارة الإلكترونية في السعودية ما زال محدوداً، نظراً لاعتماد عديد من المنصات على مخازن محلية داخل السعودية، ما يسمح باستمرار عمليات التسليم دون تأثر كبير.
لكنه أشار إلى أن بعض السلع المستوردة مباشرة عبر الشحن البحري تواجه حالياً تأخيراً في التسليم يتراوح بين 3-7 أيام، نتيجة الاضطرابات التي أثرت في وصول الشحنات إلى مراكز شركات النقل والخدمات اللوجستية في دول ثالثة.
تركستاني أوضح بدوره أن الشحنات التي كانت مجدولة في مدينة دبي على سبيل المثال جرت إعادة جدولتها بالكامل حالياً، أما الشحنات التي تم شحنها قبل الأحداث بيوم أو يومين أو حتى أسبوع، وكان مخططاً لها التوقف في دبي، واجهت نوعاً من التأخير.
تعد السعودية من بين أسرع عشر دول نمواً في قطاع التجارة الإلكترونية عالمياً، إذ بلغ إجمالي السجلات التجارية القائمة لهذا النشاط بنهاية الربع الرابع من العام الماضي نحو 44 ألف سجل تجاري، مقارنة بنحو 40 ألف سجل في الفترة نفسها من 2024، بحسب نشرة قطاع الأعمال للربع الرابع من العام الماضي الصادرة عن وزارة التجارة.
وخلال 2025، سجلت السجلات التجارية للتجارة الإلكترونية نمواً سنوياً بنحو 9%.
تصدرت منطقة الرياض قائمة المناطق الأعلى من حيث عدد السجلات بنحو 19 ألف سجل تجاري، تلتها منطقة مكة المكرمة بنحو 11 ألف سجل، ثم المنطقة الشرقية بنحو 6.7 ألف سجل، فيما جاءت منطقة المدينة المنورة بنحو ألفي سجل، وحلت منطقة القصيم خامساً بنحو 1.4 ألف سجل تجاري.
مراكز الرياض التجارية تزداد تألقا
في العاصمة السعودية الرياض، حيث الكثافة السكانية المرتفعة ومستويات القوة الشرائية العالية، بدأت الأسواق التقليدية تكتسب مزيدا من الزخم في ظل مخاوف اضطراب الشحن الجوي المرتبط بالتجارة الإلكترونية.
بحسب مختصين في قطاع التجارة الإلكترونية، فإن إغلاق بعض المسارات الجوية في المنطقة وتعديل خطوط الطيران دفعا عدداً من شركات الشحن إلى إعادة جدولة رحلاتها أو تأخيرها، ما بدأ ينعكس على مواعيد تسليم الطرود المرتبطة بالتسوق عبر الإنترنت في وقت يتسم بذروة الطلب على الشحنات الواردة من الخارج.
أظهرت جولة ميدانية لـ"الاقتصادية" داخل أحد المراكز التجارية في الرياض حركة تسوق نشطة وازدحاماً ملحوظاً في الممرات، مع تدفق مستمر للمتسوقين على متاجر الملابس والعطور والهدايا.
عاملون في قطاع التجزئة أكدوا لـ"الاقتصادية" أن حركة المبيعات خلال الفترة الحالية "تفوق المعتاد"، مع زيادة واضحة في أعداد الزوار وحجم المشتريات مقارنة بالأعوام السابقة.
وقال عدد من المتسوقين إنهم يفضلون التوجه مباشرة إلى المراكز التجارية بدلاً من الاعتماد على الطلبات الإلكترونية، خشية تأخر وصول الشحنات من الخارج.
رغم هذا التحول المؤقت في سلوك الشراء، يؤكد المتسوقون أن الأسواق لا تعاني نقصاً في السلع، وأن اللجوء إلى التجارة الإلكترونية كان في الأساس مدفوعا بعوامل الراحة وتوفير الوقت، وليس بسبب محدودية المعروض في المراكز التجارية.


