لوحت إندونيسيا، عبر تصريح لوزير ماليتها قبل أيام، باحتمالية فرض رسوم عبور على السفن المارة بمضيق مالقا، الذي يمثل شريانا حيويا لا غنى عنه في التجارة العالمية، كونه الممر الأقصر بين المحيطين الهندي والهادئ، فهو المسار لنحو 40% من إجمالي التجارة الدولية، فضلا عن تدفق نحو 25% من إمدادات النفط العالمية عبر مياهه.
يأتي هذا الخبر انعكاسا مباشرا للتطورات المتسارعة التي يشهدها مضيق هرمز منذ أسابيع؛ وهو الممر المائي الإستراتيجي الذي يوصف ب"شريان الطاقة العالمي"، حيث يعبره نحو 25% من إجمالي تجارة النفط العالمية المنقولة بحرا، و20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال على مستوى العالم.
يواصل النقل البحري تصدر مشهد العولمة بوصفه ركيزتها الأساسية، حيث ينقل نحو 90% من حجم التجارة العالمية، مساهما بـ 70% من قيمتها السوقية، وتتدفق هذه التجارة عبر 7 مضائق وقنوات مائية إستراتيجية تمثل صمامات أمان للاقتصاد العالمي، تشمل مضائق (هرمز، ومالقا، وباب المندب، وجبل طارق، والبوسفور) وقناتي (السويس وبنما).
فمثلا مضيق مالقا أو "عنق الزجاجة الأسيوي" يبرز كحلقة وصل حيوية بين الصناعات الآسيوية والأسواق الغربية، إذ عبره خلال 2025 ما يفوق 102 ألف سفينة، وشهد تدفق 23.2 مليون برميل زيت يوميا. وتفرض قناة السويس نفسها كشريان إستراتيجي يربط بين الشرق والغرب، حيث تستوعب ما يراوح بين 12% إلى 15% من إجمالي التجارة العالمية، ونحو 30% من حركة الحاويات دوليا.
أثبتت التطورات الراهنة أن نبض الاقتصاد العالمي لا يتدفق فقط عبر المصانع والأسواق المالية، بل يمر بالضرورة عبر المضايق والممرات المائية، لا باعتبارها معابر تسهل حركة الشحن، بل مقابض حيوية تتحكم في بنية التجارة العالمية، فمن يسيطر على المقبض يملك القدرة على إبطاء أو تسريع حركة العالم.
تُعد هذه المضايق الشرايين الحيوية التي تتدفق عبرها دماء سلاسل الإمداد العالمية؛ لذا فإن أي تعطل في وتيرة الملاحة بها يمثل "سكتة قلبية" تربك مفاصل التجارة الدولية. ومع تصاعد التوترات الراهنة، لم تعد هذه الممرات مجرد أصول تجارية إستراتيجية، بل تحولت إلى أدوات ضغط جيوسياسية وأسلحة اقتصادية ذات تأثيرات بالغة الحدة.
تسارع الوقائع الجيوسياسية دفعت المراقبين نحو تساؤل جوهري حول ما إذا نعيش حقا الفصل الأخير من عصر البحار المفتوحة؟ وأي مستقبل ينتظر اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، وما أرسته من مفاهيم محورية كحق المرور البريء والمرور العابر؟ تلك المفاهيم التي صاغت توازنا دقيقا بين حق الدول الساحلية في السيادة والإشراف، وحق الملاحة الدولية في العبور الحر.
تدارك إندونيسيا الأمر سريعا بتوضيحات دبلوماسية خوفا من سوء فهم دول مجاورة كالصين وسنغافورة، إلا أن التصريح يحمل في طياته رسالة سياسية تؤكد رفض الدول الناشئة الاستمرار في لعب دور "الحارس المجاني" لمسارات التجارة العالمية، فيما تجني القوى الكبرى الأرباح والعوائد الاقتصادية.
يجسد هذا الطرح تحولا لافتا في العقلية الإستراتيجية للدول المشاطئة للممرات الدولية، انطلاقا من التساؤل حول جدوى تقديم خدمات لوجستية مجانية للعالم، بينما تتحمل هي الأعباء الأمنية وضمان سلامة وانسيابية الملاحة.
يبدو أن العالم يمضي قدما نحو توديع حقبة حرية الملاحة المطلقة ليدخل عصر الملاحة المشروطة. ما يعني تحويل المضايق والقنوات البحرية إلى أصول جيوسياسية سيادية مدرة للدخل، يُعاد استثمارها لتحقيق عوائد اقتصادية، حيث ستطالب الدول مستقبلاً بفرض رسوم تأمين أمني أو ضرائب بيئية.



