قبل بضع سنوات، كانت الطريق السريعة لزيادة راتبك هي تغيير جهة العمل للحصول على رواتب ومزايا أفضل.
لكن بيانات حديثة صادرة عن مؤسسة "أيه دي بي" تشير إلى أن هذه الإستراتيجية لزيادة الدخل لم تعد ترفع مكاسب الموظفين في الولايات المتحدة كما كانت معهودة قبل أعوام قليلة، خصوصا خلال فترة جائحة كوفيد-19 وحين اشتدت حاجة سوق العمل إلى الكفاءات.
هذا العام، تبدّلت ملامح سوق العمل، إذ يصف اقتصاديون السوق بأنها تتسم بـ "توظيف منخفض وتسريح منخفض"، ما قلص الفجوة التقليدية بين من يغيرون جهة عملهم ومن يبقون فيها.
أظهر تقرير اتجاهات الرواتب، الذي شاركته "أيه دي بي" مع مجلة "فورتشن"، أن نمو رواتب من يتنقلون بين
الوظائف على أساس سنوي تباطأ في يناير إلى 6.4%، بعد أن كان 6.6% في ديسمبر.
في المقابل، استقر نمو أجور الموظفين الذين بقوا في وظائفهم عند 4.5%، وهو مستوى مشابه للعام الماضي.
بذلك، تقلّص الفارق بين الفئتين إلى 1.9 نقطة مئوية فقط، وهو أدنى مستوى منذ نوفمبر 2020.
إستراتيجية تثمر في قطاعات دون أخرى
يعتمد تحليل "أيه دي بي" على تتبع بيانات الرواتب الفعلية لشريحة الموظفين نفسها على مدى 12 شهرًا، بما يشمل الراتب الأساسي والمكافآت والإكراميات، ما يعطي صورة دقيقة عن التغير الحقيقي في الدخل.
وتظهر البيانات أن أفضل المكاسب من تغيير جهة العمل تركزت في القطاعات التي تعاني نقصًا في المهارات، مثل البناء والموارد الطبيعية والتعدين، حيث بلغت زيادات من غيروا وظائفهم 6.6% و5.6% على التوالي مقارنة بزملائهم الذين بقوا في وظائفهم.
في المقابل، كانت المكاسب محدودة في قطاعات الخدمات (0.6% فقط ممن غيروا وظائفهم)، والتعليم والرعاية الصحية والتجارة والنقل والمرافق (1.6%).
في بعض الوظائف، يكون الاستمرار في جهة العمل مجديا، مثل الترفيه والضيافة وتكنولوجيا المعلومات، حيث حقق الموظفون الذين بقوا في جهة العمل نموا أفضل ممن غيروها، بفارق بلغ -2.5% و-0.6% على التوالي لصالح من بقوا.
عموما، تتوافق بيانات "أيه دي بي" مع رؤية سوق العمل التي لاحظها الاقتصاديون. فمع أن تقرير الوظائف لشهر يناير تجاوز التوقعات، وأضيفت 130 ألف وظيفة، يتوقع كثير من الاقتصاديين تباطؤ التوظيف وتسريح العمالة في المستقبل القريب.
عوامل أدت إلى تباطؤ التوظيف
كتب جو بروسويلاس، كبير الاقتصاديين في شركة "آر إس إم"، الأسبوع الماضي: "تبرر عدة أسباب لتباطؤ التوظيف، منها التغيرات الديموغرافية، وتشديد سياسات الهجرة، وانتهاء ظاهرة احتكار العمالة، وتوقف التوظيف مؤقتًا مع تحسن الإنتاجية".
أضاف: "أصبح من الواضح أن الناتج المحلي الإجمالي ينفصل تدريجيّا عن التوظيف".
وتابع: "تباطؤ نمو الوظائف يصعب العثور على وظيفة مماثلة بأجر أعلى، ويفاقم أزمة القدرة على تحمل التكاليف التي تواجهها الأسر".
قليل من العمل وارتفاع في متوسط الأعمار
كما يشير التقرير، الذي أعدته نيلا ريتشاردسون، كبيرة الاقتصاديين في "أيه دي بي"، إلى أن الأمريكيين يعملون ساعات أقل من السابق.
فمتوسط أسبوع العمل بلغ 33.6 ساعة مقارنة بـ 34.7 ساعة في يناير 2023، أي أقل بساعة تقريبا من متوسط قبل الجائحة.
قد يعزى جزء من هذا إلى ازدياد عدد العاملين بدوام جزئي، فقد ارتفعت نسبة العاملين بدوام جزئي إلى نحو 45% في 2025 و2026، بزيادة ست نقاط مئوية عن 2019.
يسهم العامل الديموغرافي بدور مهم أيضا، فقد ارتفع متوسط عمر العاملين من 40.5 عام في 2004 إلى 41.7 عام في 2024، وفقًا لمكتب إحصاءات العمل.
أظهرت دراسة أجراها مكتب المراجع السكانية من المتوقع أن يرتفع عدد الأمريكيين فوق 65 عامًا من 58 مليونًا في عام 2022 إلى 82 مليونًا بحلول عام 2050 (بزيادة قدرها 42%)، وأن ترتفع نسبة هذه الفئة العمرية من إجمالي السكان من 17% إلى 23%.
تكشف البيانات أن معادلة "غير جهة عملك ليرتفع راتبك" لم تعد مضمونة كما السابق، وأن سوق العمل الأمريكية تدخل مرحلة لم يعد فيها النمو الاقتصادي ينعكس بالضرورة على فرص التوظيف والأجور كما في السابق.