في تطور غير مسبوق يثير قلق الأسواق والمؤسسات المالية حول العالم، دخلت استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) دائرة الخطر، بعد أن وجّه رئيسه جيروم باول رسالة شديدة اللهجة، ألمح فيها إلى أن الضغوط السياسية باتت تتخذ طابعا قانونيا يهدد جوهر السياسة النقدية الأمريكية.
باول، الذي تنتهي ولايته في مايو المقبل، قال بوضوح "إن التحقيقات الجنائية وهيئة المحلفين الفيدرالية التي استدعته على خلفية تصريحات سابقة حول تكاليف تجديد مباني الاحتياطي الفيدرالي ليست سوى ذرائع"، مؤكداً أن السبب الحقيقي هو رفض البنك المركزي الانصياع لرغبات الرئيس دونالد ترمب فيما يخص أسعار الفائدة.
رئيس الفيدرالي اعتبر ما يجري اختبارا مصيريا: إما أن تستمر السياسة النقدية قائمة على البيانات والظروف الاقتصادية، أو أن تتحول إلى أداة خاضعة للضغط والترهيب السياسي، وفقا لمجلة "فورتشن".
العودة إلى "بيع أمريكا"
عادت الأسواق إلى حالة "بيع أمريكا" خلال الليل، حيث استوعب المتداولون احتمال تولي رئيس جديد لمجلس الاحتياطي يفتقر إلى المصداقية المستقلة.
انخفض الدولار 0.32%؛ وارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 5 سنوات بشكل حاد، ما يشير إلى أن المستثمرين ينظرون الآن إلى السندات الحكومية الأمريكية على أنها أكثر خطورة فجأة.
العقود الآجلة للذهب، الملاذ الآمن التقليدي، كذلك ارتفعت 2.21% اليوم إلى مستوى قياسي جديد يتجاوز 4600 دولار للأونصة، بينما هبطت العقود الآجلة لمؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 0.66% هذا الصباح قبل افتتاح السوق.
فرانشيسكو بيسول من بنك "آي إن جي" قال لعملائه هذا الصباح: "إن الانخفاض المتزامن للدولار والأسهم وسندات الخزانة يذكرنا بأيام (بيع أمريكا) في الربيع الماضي".
يرى خبراء أن سوق السندات ستكون المؤشر الأهم في المرحلة المقبلة، خصوصا إذا شعر المستثمرون بأن استقلالية البنك المركزي تضعف، فقد يطالبون بعائد أعلى لتعويض المخاطر، ما يؤدي إلى تراجع الدولار وارتفاع تكلفة الاقتراض على الحكومة والشركات.
في هذا السياق، اعتبر محللون في "إنفيسكو" لإدارة الأصول الاستدعاءات القضائية مثالا إضافيا على تراجع جاذبية الأصول الأمريكية، في وقت تنكفئ فيه الولايات المتحدة على نفسها وتزداد فيه نزعتها “الافتراسية” تجاه مؤسساتها، على حد وصفهم.
الخوف من الأثر العكسي على الفائدة
قد تؤدي هذه الاستدعاءات كذلك إلى موجة تضخم، وفقاً لبليك غوين من شركة "آر بي سي كابيتال ماركتس"، الذي قال لـ "فايننشيال تايمز": "ستبدأ الأسواق في استيعاب توقعات تضخم أعلى، وعلاوة مخاطر التضخم، وعلاوة الأجل إذا ما تعرضت استقلالية االفيدرإلى مزيد من الهجوم. يبدو أننا لم نصل إلى هذه المرحلة بعد، لكن كل إجراء يقربنا منها خطوة أخرى".
المفارقة أن بعض الخبراء يرون أن هذه الضغوط قد تؤدي إلى نتيجة عكسية على المدى القصير. فبدلاً من تسريع خفض أسعار الفائدة، قد يتبنى الاحتياطي الفيدرالي موقفا أكثر تشدداً لإثبات استقلاليته أمام الأسواق.
يعتقد محللو "يو بي إس" أن تحدي باول العلني قد يشير إلى عدم استقالته، وربما إلى تأخير مجلس الشيوخ في المصادقة على رئيس جديد للفيدرالي.
مع ذلك، لا تزال الأسواق حذرة في التعامل مع احتمال فقدان الاحتياطي الفيدرالي لاستقلاليته بشكل كامل، إذ يراهن كثيرون على صمود باول وقدرة لجنة السوق المفتوحة على مقاومة الضغوط السياسية، فضلاً عن الشكوك حول وصول التحقيقات الجارية إلى مرحلة توجيه اتهامات فعلية.
غير أن القلق الحقيقي، وفقاً لاقتصاديين، يتجاوز شخص باول، ليعكس تحولا أعمق في بيئة عمل البنك المركزي نفسه، الذي كان لعقود ركيزة أساسية للاستقرار النقدي العالمي، لكنه بات اليوم يعمل ضمن مناخ سياسي وقانوني أكثر توتراً وعدائية، ما يزيد من حالة عدم اليقين لدى المستثمرين وصنّاع القرار، بحسب "فورتشن".

