موازنة 2017

Author

موازنة التنوع .. واستقطاب الاستثمارات

|
الموازنة العامة للسعودية أخذت منحنى تصاعديا خلال العقد الماضي، ففي تقرير لـ “العربية” على موقعها الإلكتروني عرضت تطور الموازنة العامة للمملكة خلال العقد الماضي، الذي بدأ من عام 2006 عندما وصلت الإيرادات إلى 671 مليار ريال والمصروفات 393 مليار ريال، ونما حجم المصروفات عبر الأعوام التالية إضافة إلى حالة من التقلبات في حجم الإيرادات، في توجه واضح للمملكة إلى زيادة الإنفاق على المشاريع التنموية وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين، واليوم والميزانية تتجه إلى مسار الاستدامة في التنمية، وتنويع مصادر الدخل والتخفيف من ترهل قطاعات الدولة من خلال الخصخصة، والعمل على توفير ظروف معيشية أفضل ومشاركة المواطن بصورة أكبر في الإنتاجية والاستفادة بصورة أكبر من الناتج المحلي عبر السعي إلى زيادة إنتاجية المجتمع والمشاركة بصورة أكبر للقطاع الخاص، وخصخصة مجموعة من القطاعات التي يمكن أن يكون المواطن شريكا في ناتجها واستثماراتها. التنوع في مصادر الدخل واستقطاب مزيد من الاستثمارات والسيولة للمملكة والاستدامة عموما للتنمية ومشاركة المواطن بصورة أكبر في إنتاجية الوطن والعوائد هو ما يمكن أن يكون عنوانا للمرحلة الحالية للاقتصاد في المملكة، فرغم ما تتمتع به المملكة من اقتصاد قوي في المنطقة وثروات وموارد طبيعية إلا أن ذلك يواجه تحديا هو أن هذه الثروات لا تزيد بحجم نمو الطموح والنمو السكاني في المملكة، وبالتالي كان من المهم تعزيز فرص تدفق السيولة على المملكة والاستفادة من قدرة المواطن السعودي الذي يتمتع ـــ بعد مجموعة من البرامج الحكومية بدءا من الاستثمار في التعليم العام ومن ثم التعليم العالي والمهني ــــ بكفاءة عالية وقدرة على الإنتاجية أكبر من الوضع الحالي. الميزانية الحالية للمملكة لعام 1438 ـــ 1439هـ التي تقدر الإيرادات فيها بما يقارب 700 مليار ريال والإنفاق بما يقارب 900 مليار ريال هو امتداد لاستمرار التنمية في المجتمع، حيث إنه رغم انخفاض عوائد النفط في مؤشر على أن خطط التنمية ستبقى ذات أولوية بهدف ألا يؤثر في النشاط الاقتصادي في المملكة، خصوصا أن هناك عملا على أن تكون السوق السعودية أكثر جاذبية للاستثمارات الأجنبية والمحلية، ويزيد من فرص تدفق الأموال على المملكة، ولعل الميزانية أخذت في الاعتبار بعض البرامج التي يمكن أن تزيد من إيرادات الدولة مثل برامج الخصخصة والزيادة في أسعار النفط، إضافة إلى الاستمرار في برامج تخفيض الدعم أو الترشيد في الدعم بما يخفف من الأعباء على الميزانية ويزيد من حجم الإيرادات. تضمنت الميزانية الإعلان عن البرنامج الحكومي في تغطية العجز المتوقع للميزانية، الذي تضمن بعض الإجراءات لتغطية ذلك العجز سواء من خلال الاستفادة من الاحتياطي النقدي للمملكة، وذلك بالتحويل من حساب فوائض السنوات السابقة ومن حساب الاحتياطي العام للدولة إلى حساب جاري وزارة المالية، أو من خلال الاقتراض وإصدار أدوات الدين وإصدار الصكوك بأنواعها ـــ داخل السعودية وخارجها ـــ وما يتطلبه ذلك من تأسيس شركات داخل المملكة وخارجها وتحديد شكلها بما يخدم أغراضها التي يتم تأسيسها من أجلها، أو إبرام عقود أو اتفاقيات في هذا الشأن بما في ذلك تضمينها الأحكام التي تستلزمها طبيعة تلك العقود أو الاتفاقيات، الذي تحقق من الفوائض خلال العقد الماضي، والصكوك هي إحدى الأدوات المالية المتوافقة مع الشريعة، التي تعتبر أداة لتوفير السيولة من خلال الاعتماد على الأصول في التمويل عبر إصدارات مجموعة من المعاملات، ولذلك نجد أن الإعلان تضمن الموافقة على مجموعة من الإجراءات المساندة لإصدار الصكوك المتوافقة مع الشريعة لتسهيل تحقيق الالتزام والانضباط في هذه الصكوك. اهتمام المملكة بالصكوك المتوافقة مع الشريعة له أهمية كبيرة، التي ستدعم من كفاءة الصكوك المتوافقة مع الشريعة، حيث إنه من المعلوم أن سياسة المملكة المالية متحفظة جدا، ولا يمكن أن تدخل في أدوات مالية لم تتحقق فيها الكفاءة والمعايير المطلوبة، والإعلان عن إجراءات يمكن أن تنتج عنها مجموعة من الإصدارات للصكوك داخليا وخارجيا دليل على كفاءة هذه الأداة المالية، التي سينعكس اهتمام المملكة بها على حجم هذه الإصدارات والنمو في حجم الصكوك. المملكة خلال الفترة الماضية كانت أحد أهم مراكز استقطاب أصول التمويل الإسلامي، وهي تعتبر الأضخم في حجم الأصول المتوافقة مع الشريعة، وتضم أضخم المصارف التي تمارس المعاملات المتوافقة مع الشريعة، وبإصدار مجموعة من الصكوك ستكون المملكة الوجهة الأهم للأصول الإسلامية المتوافقة مع الشريعة والإجراءات التي تمت سابقا من خلال برنامج هيئة الطيران كانت ناجحة من جهة الإقبال على هذه الأداة، واستقطاب السيولة إضافة إلى توظيف هذه الأموال في مشاريع تنموية يمكن أن تحقق عوائد تفوق التكلفة التمويلية، والإعلان عن أن الإصدارات يمكن أن تكون بإصدارات الصكوك محليا أو خارجيا سيكون له أثر في تعزيز قدرة المملكة على استقطاب السيولة من الخارج بما يحقق توازنا للسيولة ويحد من الضغط على السيولة المحلية. تتميز الميزانية لهذا العام بأنه قد تم الإعلان عنها كأول ميزانية تأتي بعد إعلان المملكة “رؤيتها لعام 2030”، والإعلان عن برنامج التحول الوطني 2020، والميزانية تعطي مؤشرات تطبيقية باتجاه تحقيق أهداف “رؤية المملكة 2030”، حيث إن الجميع داخل المملكة وخارجها يراقب الإجراءات التي ستتخذها الحكومة للوصول إلى نتائج إيجابية باتجاه تحقيق “الرؤية”، وبالتالي اتخاذ القرار المناسب للاستثمار في المملكة، حيث إن الوضع الحالي للمملكة خصوصا بعد توافر الفرص المناسبة وانخفاض تكلفة الاستثمار في المملكة سواء في القطاعات المالية أو القطاعات العقارية أو حتى في قطاع الصناعة والتجارة يساعد على تحقيق هذا الاتجاه. اهتمت الميزانية بشكل كبير بقطاع التعليم خصوصا التعليم العام، فقد تم الإعلان عن تسلم أكثر من 400 مدرسة، والعمل على الانتهاء مما يقارب 1400 مدرسة أخرى، وهذا يأتي في ظل العمل على تحسين ظروف التعليم للمواطنين، مع الاستمرار في برامج تطوير المعلمين والمناهج، كما أن الإنفاق مستمر أيضا على قطاع مهم هو قطاع الصحة، وهذه القطاعات تعد الأهم للمملكة.
إنشرها
تقرير: السياسة التوسعية في موازنة 2017 تعزز النمو

تقرير: السياسة التوسعية في موازنة 2017 تعزز النمو

أظهر تقرير اقتصادي، أن موازنة 2017 افترضت متوسطا لسعر النفط يبلغ 50.3 دولارا للبرميل، فيما يبلغ السعر...

«جدوى»: «الدخل الاستثماري» المصدر الأساسي لنمو الإيرادات
«جدوى»: «الدخل الاستثماري» المصدر الأساسي لنمو الإيرادات

أظهر تقرير اقتصادي أن عجز ميزانية عام 2016 البالغ قيمته 297 مليار ريال، أو 12.4 في المائة من الناتج المحلي...

765.6 مليار ريال موازنة الصحة والتنمية الاجتماعية خلال 14 عاما
765.6 مليار ريال موازنة الصحة والتنمية الاجتماعية خلال 14 عاما

بلغت قيمة ما تم تخصيصه لقطاع الصحة والتنمية الاجتماعية، نحو 765.6 مليار ريال، خلال 14 عاما وتحديدا منذ عام...

مختصون دوليون: موازنة 2017 عكست صلابة الاقتصاد السعودي .. وطمأنت الأسواق العالمية
مختصون دوليون: موازنة 2017 عكست صلابة الاقتصاد السعودي .. وطمأنت الأسواق العالمية

قال خبراء ومختصون اقتصاديون إن الموازنة السعودية لعام 2017 التي أعلنت أمس، جاءت متميزة وتتوافق مع طموحات...

مختصون دوليون لـ "الاقتصادية": موازنة 2017 بمنزلة حجر أساس لاقتصاد متعدد الموارد
مختصون دوليون لـ "الاقتصادية": موازنة 2017 بمنزلة حجر أساس لاقتصاد متعدد الموارد

بقدر ما تكشف به إشادة عديد من المختصين والأكاديميين والعاملين في مجال الاستثمارات الدولية في بريطانيا،...

Author

تحديات تنمية الإيرادات غير النفطية

|
كيف نواجه النفط؟ بألا نواجه النفط! سأشرح. لنتذكر أننا حاولنا مواجهته على مدى نصف قرن ولم ننجح، ما يدلل على أن مواجهة "إغراءات" النفط صعبة ومعقدة، فهي تتطلب صرامة ومبادرات متتابعة، ليست بينها فواصل زمنية ترمي الجهود في أتون التراخي. انظر إلى الإيرادات غير النفطية للحكومة؛ اقتصاد قوامه 2.581 تريليون ريال، بالأسعار الثابتة يحقق إيرادات للخزانة تقل عن 200 مليار ريال، 199 مليار ريال (لعام 2016) على وجه التحديد. وهذه الإيرادات غير النفطية، جُمعت "حبة حبة": 21 مليارا جمارك، 62 مليارا عوائد استثمارات من مؤسسة النقد، 14 مليارا مبيعات، و15.5 مليار رسوم نفطية، و15 مليارا عوائد صندوق الاستثمارات العامة (ملكية الحكومة في شركات)، 14.5 مليار ضريبة دخل، 7.5 مليار غرامات، ثمانية مليارات تأشيرات، 4.8 مليار اتصالات، 4.8 مليار تبغ، 14 مليارا زكاة. كيف ستصبح هذه الإيرادات تريليوناً؛ أي ألف مليار؛ أي كيف ستتضاعف الإيرادات غير النفطية خمسة أضعاف خلال 15 سنة؟ لنتمعن قليلاً في الأرقام، تحقق الخزانة 14.5 من ضريبة الدخل والأرباح والمكاسب الرأسماية، وأهم مصدر لها الاستثمار الأجنبي المباشر، الذي يقدر قوامه بنحو 1.1 تريليون ريال؛ أي نحو عُشر من واحد في المائة. فكم من الاستثمارات الأجنبية علينا أن نستقطب حتى نصل بهذا البند من الإيرادات غير النفطية إلى 100 مليار ريال عام 2030؟! وأمر آخر الزكاة، التي يقول عديد منا إن جمعها بفاعلية سيكون كفيلاً بألا يبقى محتاج في وطننا، فهل هذا محض تهيؤ، أم أننا لا نجمع الزكاة بفاعلية؟ ومن جانب آخر، لنأخذ الرسوم، ما قيمة الرسوم التي جمعتها الحكومة عام 2016؟ أقل من 30 مليار ريال! وليس بالإمكان زيادة هذه الرسوم زيادات كبيرة، كما أن استقطابنا للاستثمار الأجنبي، لا يحقق –حالياً- نمواً متواتراً، ولا سيما أننا لم نتخذ خطوات ملموسة لتحسين مناخ الاستثمار الأجنبي، سواء في القطاعات الإنتاجية أو في سوق المال، ولنتذكر أن أكبر حافز لاستقطاب الاستثمار الأجنبي كان تدني قيمة اللقيم للصناعات البتروكيماوية وكثيفة استخدام الطاقة، وهذا حافز في طريقه للتلاشي من قرار خفض الدعم وتوجيهه لمن يستحقه من الأُسر السعودية. ما الحل؟ الحل يكمن في برنامج التحول الوطني. كيف؟ برنامج التحول الوطني في حقيقته برنامج للخصخصة، وهو المَخرَج القادم للقطاع الخاص؛ بمعنى أن علاقة القطاع الخاص بالحكومة لا بد أن تتحول من علاقة "مقاولات وتزويد" إلى علاقة "شراكات عامة خاصة" (Public Private Prtinerships). ماذا يعني هذا؟ يعني تبادل الأدوار؛ يأخذ من الحكومة الأنشطة الاقتصادية الحكومية القائمة والخدمات الحكومية التي يمكن أن تولد "تدفقاً نقدياً"، ويدفع للخزانة العامة إيرادات في المقابل، وبذلك يصبح القطاع الخاص مصدر دخل للخزانة الحكومية (لنقل مركز ربح profit center) عوضاً عن الوضع القائم حالياً وهو تلقي الدعم، فالقطاع الخاص حالياً مصدر تكلفة للخزانة العامة (لنقل مركز تكلفة cost center) وفقاً لمصطلحات محاسبة الشركات! الشراكات التي ستقوم بين الحكومة والقطاع الخاص ينبغي أن تجلب للخزانة العامة دخلاً متنامياً، بحيث يمثل البند الأثقل وزناً ضمن بنود الإيرادات غير النفطية، وهو البند الغائب حالياً، وبتعبير أدق هو البند "الأحمر". وبالتأكيد فلا أحد يسعى إلى أن يخسر القطاع الخاص، ولكن قواعد اللعبة لا بد أن تتغير تغيراً جذرياً لتصبح "خذ وهات"؛ عوضاً عن القواعد السائدة والعقود "هات وهات"! ولا بد من القول إنه لا فرق بين أن تكون الشراكات مع منشآت القطاع الخاص السعودية أو غير السعودية باعتبار جنسية الشركة، بل الفرق هو فيما ستقدمه الشركة من وظائف لأبنائنا، وما ستضخه من استثمارات للبلد، وما ستنتجه من سلع وخدمات، وما ستضيفه من قيمة، وما ستعنيه لتنافسية الاقتصاد المحلي. على مدى 46 عاماً لم يتحقق هدف "كسر هيمنة النفط على الخزانة العامة وعلى الاقتصاد المحلي"، فهذا ما وثقته الخطة الخمسية الأولى، ولم نحققه حتى الآن، ولن يتحقق بمجابهة مباشرة. لماذا؟ لأننا أردنا أن يُخلصنا النفطُ من النفطِ! وهذا ما لن يفعله النفط أبداً. إذن لا بد من دخول "مواجهة" مع النفط، وهي مواجهة لن تكون دون تضحيات منا جميعاً، ولا أستثني أحداً. والمبرر لتقديم التضحيات من كل منا – أشخاص طبيعيين واعتباريين- هو تحقيق ما كنا نفتقده دائماً، وهو تذبذب أدائنا الاقتصادي نتيجة لتأرجح إيرادات الخزانة العامة، المشبعة بنكهة النفط. ومما يدل على ذلك أنه على مدى الفترة 1970-2015 حقق الاقتصاد السعودي معدل نمو متوسطه 5 في المائة سنوياً، لكنه يتأرجح صعوداً وهبوطاً بنزقٍ واضح. كيف ستكون المواجهة؟ القصة التي نعاني تبعاتها: تراجعت أسعار النفط ونحن في مزاج إنفاق عال، وكان علينا التعامل مع ذلك؛ إذ كانت هيكلة الإنفاق العام جلها إنفاقا جاريا، حيث قفز الإنفاق الجاري من 68 في المائة عام 2013 إلى 80 في المائة عام 2016. وقد أوقعنا هذا في ضرورة خفض الإنفاق، ولكن كيف؟! ونحن أمام إيرادات نفطية (329 مليارا) أقل من أن تغطي بند رواتب موظفي الحكومة وما في حكمها (513 مليارا). نظرة الحكومة بينتها بإسهاب في الرؤية السعودية 2030، بأن الخزانة ستتحرر من اعتمادها على الإيرادات النفطية، إذ تستهدف الرؤية وصول الإيرادات غير النفطية إلى تريليون ريال. لكن كيف؟! تقوم الفكرة على إطلاق مجموعة من البرامج التي تطلق مكامن قوة الاقتصاد السعودي. فما مكامن القوة تلك؟ تحديداً: "أرامكو" السعودية، السوق المالية السعودية، استثمار الأموال العامة داخلياً وخارجياً، الخصخصة، التحول اللوجستي، التعدين، الشراكات الاستراتيجية (مع عشر دول، وهي دول مجلس التعاون ومصر وأمريكا والصين واليابان وجنوب إفريقيا والهند وبريطانيا وألمانيا)، وبرنامج للتحول الرقمي عبر إنشاء شركة للتحول الرقمي مع شركة عالمية رئيسة لتشمل تحويل 20 قطاعاً، وهذا سيدخل اقتصادنا في "إنترنت الأشياء" ضمن أمورٍ أخرى. إذن فالفكرة المحورية هي تحقيق الاستقرار المالي للخزانة بنهاية عام 2030، عندما لا يكون إيراد النفط أساسياً، وبتحقق ذلك نتحرر من "العروض غير الشيقة لبهلوانيات النفط" عندما تتلاطم أسعاره هبوطاً وصعوداً في وَقعٍ مؤلم، وكأنه مخاض ليس له نهاية أو قرار! تعرض الميزانية العامة للدولة للعام المالي 2017 بصورة مختلفة شكلاً وموضوعاً، فهي أقرب ما تكون إلى ميزانية برامج، على الرغم من أن سحنتها ما زالت تقوم على البنود، كما أن أفق الميزانية لا ينحصر في عام 2017 فقط، بل يمتد سنوات قادمة، فإطلالتها لعام 2020 تستوعب التغييرات التي من المؤمل أن يحدثها برنامج التحول الوطني، ولتحقق تلك المنظومة من برامج الرؤية السعودية 2030. واختلاف الميزانية هذا العام عن سابقاتها يشمل مرتكزات اجتماعية-اقتصادية، وليست مالية بحتة. بمعنى جعل المعطيات الاجتماعية-الاقتصادية تقود هيكلة الميزانية، وليس العكس. فالميزانية العامة الآن أداة لتحقيق "الرؤية السعودية 2030". والرؤية، كما ندرك جميعاً، تشمل تحقيق عشرات الأهداف (96 هدفاً) بما يعزز وضع المواطن والوطن. وفي هذا السياق، فتحقيق الاستقرار المالي مطلب أساسي، لكنه ليس مطلوبا لذاته فقط، بل لتحقيق مطالب عدة، ليس أقلها إعادة هيكلة شبكة الأمان الاجتماعي حتى لا يُضار منخفضي الدخل نتيجة للبرامج المتعددة التي ترمي إلى رفع كفاءة استغلال الموارد وترشيد الإنفاق، وما مبادرة "حساب المواطن" إلا جهد في هذا السياق. ومرتكز آخر لتحقيق الاستقرار المالي، أننا إن أردنا تحقيقه فلا بد أن نتخلى عن "ثقافة الريع"، وإصلاح الأسواق لتصبح كفؤة، والحديث هنا يشمل السوق المالية وسوق السلع والخدمات وسوق العمل، وهي جميعاً تعج بالتشوهات. ولا يبدو أننا في عجلةٍ من أمرنا للرفع من كفاءة تلك الأسواق، فأهم دعائمها المنافسة بمنع الاحتكار، وبسهولة الدخول في السوق والخروج منها، كما أنه من الضروري ألا نتدخل في التسعير، بل نجعل السوق هي التي تسَعر! ومن لا يستطيع شراء السلع الضرورية، فمسؤولية الخزانة العامة أن توفر له احتياجاته من تلك الضروريات، سواء أكانت مأكلا أم مشربا أم مسكنا أم رعاية صحية أم تعليما أم طاقة. كما أن الاستقرار المالي سيعني أن يدفع الجميع مقابل ما يحصل عليه من خدمات، وإلا فكيف سنتخلى عن "ثقافة الريع"؟! هنا علينا أن نفرق بين الرسم، وهو ضريبة، وبين "ثمن" لخدمةٍ تُقَدم بمقابل. ولا مجال لتناول نظرية "الثمن" بأي تفصيل، لكن تكفي الإشارة إلى أن للسلع "تكلفة" و"قيمة" و"سعراً أو ثمناً"، وبالنسبة للسلع التي تُسَعر من قبل الجهات الرسمية، فهي تحدد ثمنها؛ هل تُقدم السلع بسعر دون التكلفة أم لا، لاعتبارات اجتماعية-اقتصادية. منذ بداية عام 2016، قررت الحكومة، وفقاً لما ورد في بيان الميزانية العامة للعام المالي الحالي (2016)، وضمن الجزء الذي تناول الإصلاحات الاقتصادية والمالية والهيكلية، إعادة النظر في أثمان السلع المُعانة، حيث ورد نصاً: "مراجعة وتقييم الدعم الحكومي، ويشمل ذلك تعديل منظومة دعم المنتجات البترولية والمياه والكهرباء وإعادة تسعيرها، يراعى فيه التدرج في التنفيذ خلال الخمسة أعوام القادمة، لتحقيق الكفاءة في استخدام الطاقة، والمحافظة على الموارد الطبيعية، ووقف الهدر والاستخدام غير الرشيد، والتقليل من الآثار السلبية على المواطنين متوسطي ومحدودي الدخل، وتنافسية قطاع الأعمال".
إنشرها
فرض رسوم علی العمالة الوافدة سياسة عالمية ترفع التوطين

فرض رسوم علی العمالة الوافدة سياسة عالمية ترفع التوطين

قال لـ"الاقتصادية" محللون اقتصاديون إن فرض رسوم علی القطاعات الاقتصادية التي توظف العمالة الأجنبية بأعداد...

السعودية تخطط لديون سنوية بقيمة 113 مليار ريال حتى 2020

السعودية تخطط لديون سنوية بقيمة 113 مليار ريال حتى 2020

تُخطط السعودية لاستدانة 112.5 مليار ريال سنويا من الأسواق العالمية والمحلية حسب ظروف السوق والتسعير، وفقاً...

السعودية تعتزم إنفاق 200 مليار ريال لتحفيز القطاع الخاص خلال 4 سنوات
السعودية تعتزم إنفاق 200 مليار ريال لتحفيز القطاع الخاص خلال 4 سنوات

أظهرت وثيقة رسمية عزم الحكومة السعودية إنفاق 200 مليار ريال (53 مليار دولار)، ضمن حزمة تحفيز للقطاع الخاص...

«العمل»: الدخل الشهري للأسرة معيار برنامج «حساب المواطن»
«العمل»: الدخل الشهري للأسرة معيار برنامج «حساب المواطن»

أكدت وزارة العمل والتنمية الاجتماعية، أن ‏المعيار الرئيس في برنامج "حساب المواطن" هو مقدار الدخل الشهري...

27 مليار ريال وفر من تعديل أسعار الطاقة والمياه خلال 2016
27 مليار ريال وفر من تعديل أسعار الطاقة والمياه خلال 2016

يتوقع أن يبلغ إجمالي الوفر من تعديل أسعار منتجات الطاقة والمياه نحو 27 مليار ريال في 2016، فيما يصل الوفر...

موازنة 2017 ترسم ملامح الاقتصاد السعودي وفق «رؤية 2030»
موازنة 2017 ترسم ملامح الاقتصاد السعودي وفق «رؤية 2030»

رسمت موازنة 2017 ملامح الاقتصاد السعودي وفق "رؤية 2030"، التي تهدف إلى تنويع ومعالجة الوضع المالي...

Author

إصلاحات للمالية العامة وننتظر المزيد

|
صدر أمس بيان الميزانية حاويا أرقام ميزانية العام الماضي 2016 وأرقام العام المقبل 2017. ويلاحظ تفاصيل أكثر بكثير ما اعتدنا في بيانات وزارة المالية في الأعوام الماضية، ويشير بيان الوزارة إلى عدة نقاط في تطوير المالية العامة. ومن المهم جدا الإشارة إلى أن الأرقام الواردة في بيان وزارة المالية أولية تحت التنقيح خلال الأسابيع القليلة المقبلة. لن أتحدث عن التطورات الاقتصادية محليا وعالميا التي تطرق إليها بيان الميزانية لضيق المقام. أول ميزانية وفق الرؤية وبرنامج التحول هذه أول ميزانية تعد وفق "رؤية 2030" وبرنامج التحول الوطني. وتبعا، اهتمت السياسة المالية العامة في المملكة بتقوية بنية المالية العامة، ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي، بهدف محاولة الوصول إلى ميزانية متوازنة، أي خالية من العجز تقريبا، بحلول عام 2020. تحقيق هذا الهدف دون تأثير سلبي على نمو الاقتصاد ليس بالأمر السهل، بل هو صعب المنال. نتائج هذا العام 2016 للتوضيح، أرقام بيان كل ميزانية للعام الموشك على الانصرام هي تقديرية شبه فعلية نهائية، أما الأرقام الفعلية النهائية فتعرف عادة بعد أسابيع من الآن. يتوقع أن تبلغ إيرادات هذا العام 2016 الموشك على الانصرام قرابة 530 مليار ريال. وهو رقم قريب جدا من التقديرات وقت إعداد ميزانية هذا العام ـــ الفرق قرابة 15 مليار ريال. تشكل الإيرادات غير النفطية قرابة 200 مليار ريال، أي بنسبة تقارب 38 في المائة. وهذه نسبة عالية جدا. فقد تدور حول 25 في المائة عام 2015، وأقل من 15 في المائة خلال السنوات العشر السابقة لعام 2015. ارتفاع نسبة غير النفطية راجع إلى سببين، انخفاض إيرادات النفط وتزايد إيرادات أخرى تركزت في ثلاثة بنود، عوائد متحققة من مؤسسة النقد لم توضيح طبيعتها (زادت من 35 مليار ريال عام 2015 إلى 62 مليارا عام 2015)، ورسوم التبغ (من 60 مليونا إلى خمسة مليارات)، وعوائد أخرى لم توضح ماهيتها في بيان الميزانية (زادت من صفر العام الماضي إلى 15 مليارا هذا العام 2016). يتوقع أن تبلغ المصروفات لهذا العام 825 مليار ريال. وهو رقم يقل عما صدرت به الميزانية في مثل هذا الوقت بنحو 150 مليار ريال. والسبب الرئيس في هذا الانخفاض خفض الصرف على المشاريع. لكن من المهم بيان أنه صرفت خلال الشهور الماضية قرابة 100 مليار ريال، سدادا لمستحقات أعوام سابقة. أي أن مجموع المصروفات الفعلية هذا العام تقل عن العام الماضي بـ 50 مليارا. وعليه فقد بلغ العجز قرابة 300 مليار ريال. وكان العجز المحقق عام 2015 هو الأكبر في تاريخ المملكة، وقد بلغ قرابة 370 مليار ريال. وبلغ رصيد الدين العام قرابة 300 مليار ريال، منه قرابة 200 مليار محلية. تقديرات 2017 ميزانية 2017 تعد أول ميزانية بعد إقرار رؤية 2030 في أبريل الماضي، وإقرار برنامج التحول الوطني بعد ذلك بستة أسابيع تقريبا. واحتوت الرؤية على أهداف استراتيجية مطلوب تحقيقها. أما "برنامج التحول الوطني 2020"، فخطة خمسية لتحقيق وتنفيذ "رؤية السعودية 2030". كيف؟ عبر مبادرات هدفها بناء القدرات والإمكانات والوسائل والمؤشرات اللازمة في أجهزة الدولة المختلفة بما يعمل على تحقيق أهداف "رؤية السعودية 2030"، ومجابهة تحدياتها. وتلك المبادرات لها تكلفة. متوقع العام المقبل 2017 إيرادات 700 مليار تقريبا، منها قرابة 480 مليارا نفطية. أما المصروفات المتوقعة فقرابة 900 مليار. أي بزيادة نحو 8 في المائة عن مصروفات العام الحالي. وهي نسبة عالية في نظري. وأهم سبب في هذه الزيادة مبادرات برنامج التحول الوطني، فقد خصص له قرابة 40 مليارا، وكذلك برنامج الدعم للمستحقين، تبعا لرفع أسعار الطاقة. استمر قطاعان في التهام الحصص الكبرى من مخصصات الميزانية، هي التعليم والعسكرية والأمنية. ولكل واحد من القطاعين قرابة 200 مليار ريال. وميزانية 2017 هي ثاني ميزانية تصدر دون أسلوب الأبواب الأربعة المعروفة على مدى عقود. فقد ذكر بيان وزارة المالية قبل عام أن ميزانية 2016 أعدت وفقا لدليل إحصاءات مالية الحكومة GFSM2001 والمحدث في 2014، وهو نظام إحصائي تنظيمي تصنيفي من ثمانية أبواب للميزانية وليس أربعة. ويمثل خطوة كبيرة إلى الأمام في معايير إعداد وعرض إحصاءات المالية العامة، ويسهم في تحسين المحاسبة الحكومية وشفافية عمليات الحكومة، كما يقدم تغطية أشمل للأنشطة الاقتصادية والمالية للحكومة، وقدرة أعلى في تقييم سياسات المالية العامة، ومراقبة تطوراتها، كما أنه يعزز قياس الادخار والاستثمار والاستهلاك الحكومي بطريقة تفوق الطريقة القديمة. ويفترض أن تصدر جداول تماثل القوائم المالية للشركات. والدليل من إعداد صندوق النقد الدولي قبل بضعة عشر عاما مستعينا بخبرات دول متطورة في إعداد ميزانياتها العامة.. وتبعا لذلك تنشأ وحدة المالية العامة، لتطوير سياسات وإجراءات إعداد الميزانية، وعمل سيناريو متوسط المدى لثلاث سنوات. إن طبيعة الأعمال المطلوبة من الوحدة عالية التقنية كبناء نموذج اقتصادي كلي للمملكة، وبناء توقعات اقتصادية كلية. أشار بيان الميزانية إلى الاستمرار في خطوات إصلاحية، بهدف تخفيف الاعتماد على إيرادات النفط، ورفع كفاءة الإنفاق العام بصفة عامة عبر عدة إجراءات وتنظيمات وبرامج ذكرت باقتضاب في بيان وزارة المالية. ومنها برنامج الخصخصة وإصلاح وتطوير أداء الحكومة ومراجعة الدعم الحكومي ومستويات الرسوم والغرامات والضريبة المضافة. كما ذكر بيان الميزانية أنه تم تأسيس مكتب ترشيد الإنفاق الحكومي. وأنه انتهى من تحديث نظام المنافسات والمشتريات الحكومية. وهو نظام حوى نقاط ضعف كثيرة. كما ذكر البيان عمل تحسين في منهج وآليات إدارة أصول الدولة، وخاصة تحويله من النظام المحاسبي على الأساس النقدي إلى أساس الاستحقاق. تعليق تطوير أعمال تخطيط وتنفيذ الميزانية وسياسات وأداء المالية العامة وإسهامها في تحقيق "رؤية 2030" وتقليل الاعتماد على دخل النفط، مواجه بمشكلة نقص واضح في القدرات الوطنية المهنية. وهنا مقترح تأسيس معهد للمالية العامة، يسهم في تحسين قدرات موظفي المالية العامة. تهدف الرؤية وبرنامج التحول إلى تحقيق توازن الميزانية خلال أربع سنوات. وهو هدف طموح جدا، صعب تحقيقه دون إحداث آثار اقتصادية سلبية جانبية. تبعا للتطورات الأخيرة وخاصة مشروع التحول الوطني، يفترض تبعا في إدارة المالية العامة أنها عملت وتعمل على زيادة قدراتها المهنية في رسم وتطبيق سياسة مالية عامة تعمل على توزيع / تخصيص allocate الموارد المالية بصورة تتصف بأنها متوازنة وقابلة للرسوخ sustainable، وتسهم بفاعلية في تحقيق النمو الاقتصادي القابل للاستدامة بصورة أفضل من الماضي. وفي الوقت نفسه، فانه يتوقع من الجهات المسؤولة عن الميزانية إعدادا ومراجعة أن تعمل على زيادة مهارات موظفيها في التطورات المالية والاقتصادية المحلية والدولية، وظروف ونمو الاقتصاد المحلي والاقتصادات الدولية. وينبغي أن تجرى السياسة المالية العامة بمزيد من التناغم مع السياسة النقدية. كما أن هناك حاجة إلى إصدار نظام للميزانية، وتقوية وتحسين آليات وخطوات مراجعتها وتدقيقها قبل وبعد الصرف. حيث يحكم عمليات الميزانية حاليا عدد قليل من المراسيم الملكية. هذا وبالله التوفيق.
إنشرها