الرأي

مقالات اليوم

الاقتصاد التركي في دائرة الخطر

يواجه الاقتصاد التركي أزمات مختلفة وشديدة، حتى قبل انتشار وباء كورونا المستجد. ومع الأزمة الاقتصادية التي خلفها الوباء، صارت المشكلات التي يعانيها هذا الاقتصاد خطيرة إلى أبعد الحدود، ما دفع الجهات الدولية إلى التعاطي معه بحذر شديد، وبعضها أطلق صفارات الإنذار للتحذير من التراجع الكبير له. وظهر هذا واضحا عبر خروج نسبة متعاظمة من الاستثمارات الأجنبية من هذا البلد.
فالاقتصاد التركي يعول على هذه الاستثمارات منذ أعوام عديدة، كما أنه يعتمد على تصنيفات ائتمانية أصبحت متناقصة هي الأخرى.
وعلى هذا الأساس، كانت ضربات جائحة كورونا قوية على تركيا، التي تشهد (كما يعرف الجميع) تخبطا اقتصاديا منذ عدة أعوام أيضا بسبب التدخل المباشر للرئيس رجب طيب أردوغان فيه لأسباب سياسية، الأمر الذي دعا إلى استقالات متعددة في أوساط القائمين على الاقتصاد الوطني.

تعمق التباطؤ الاقتصادي العالمي

رفع صندوق النقد الدولي، أخيرا، توقعاته الانكماشية لمعدلات نمو الاقتصاد العالمي - المنشورة قبل ثلاثة أشهر - بنسبة 1.9في المائة إضافية، مستشرفا أن يتعمق التباطؤ الاقتصادي العالمي بنحو 4.9 في المائة في 2020. وأرجع زيادة توقعاته الانكماشية إلى انخفاض تقديراته السابقة لحدة تراجع الاقتصاد العالمي الفعلية في النصف الأول من 2020، وتفاؤله الأكثر من الواقع لمعدلات الانتعاش الاقتصادي العام المقبل. وتشير تقديرات الصندوق الأخيرة إلى نمو الاقتصاد العالمي العام المقبل 2021 بمعدل 5.4 في المائة عن مستويات 2020. وسيصل إجمالي خسارة الاقتصاد العالمي من الجائحة في 2021، إلى نحو 6.5 في المائة من مستوياته المتوقعة قبل تفشيها.
جاء تراجع توقعات النمو بسبب استمرار آثار الجائحة في الاقتصادات العالمية حتى بعد تراجع معدلات الإصابة بالمرض في الدول التي أعادت فتح اقتصاداتها. وقادت متطلبات الصحة العامة وأهمها التباعد الاجتماعي، إلى خفض معدلات تعافي الأنشطة الاقتصادية. وما زال جزء كبير من سكان العالم تساورهم مخاوف العدوى، ما يدفع إلى إحجام كثير منهم عن الإنفاق والاستثمار، حتى الذهاب إلى العمل ولو بشكل جزئي. إضافة إلى ذلك ضربت طبيعة الجائحة قطاعات معينة، وخصوصا قطاعات الخدمات التي تتطلب تواجه أو تزاحم الأشخاص لاستهلاكها أو إنتاجها. سيستمر لبعض الوقت تجنب مستهلكين كثر بعض الخدمات التي يرون انخفاض أهمية استهلاكها، كما قد يحجم جزء من العمالة عن ممارسة بعض الخدمات، ما يعني تراجعات في إنتاج وطلب عديد من الخدمات التي توظف أعدادا كبيرة من البشر.

الابتكار والسياسات السليمة في وقت الأزمات

من دون إجراء سريع وحاسم ومنسق، يهدد فيروس كورونا بفرض انتكاسة كبيرة على المكاسب التي تحققت بشق الأنفس في رأس المال البشري. فقد أطلقت جائحة فيروس كورونا العنان لحالة طوارئ صحية عالمية وأزمة اقتصادية منقطعة النظير. فعلاوة على ضياع الأرواح، وفقدان الدخول، تعرض الجائحة للخطر رأس المال البشري، إذ أصبح كثير من الناس عاطلين عن العمل، وتعطلت الخدمات الأساسية، وتأثرت إمدادات الغذاء، وأغلقت المدارس.
وإذا لم تتخذ إجراءات سريعة حاسمة ومنسقة، فإن الأزمة تنذر بانتكاسة كبيرة للمكاسب التي تحققت بشق الأنفس في مجال رأس المال البشري، كما أشرنا. فعلى سبيل المثال، إذا تم تخفيض خدمات الرعاية الصحية الأساسية بنحو 45 في المائة لمدة ستة أشهر، وهو ما يماثل نسبيا تأثير أزمة الإيبولا، فإنه قد يؤدي إلى وفاة أكثر من مليون طفل، وما يزيد على 50 ألفا من الوفيات الإضافية للأمهات في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط.
وبدأت تتكشف أيضا صورة كئيبة للخسائر في مجال التعلم. يظهر أحدث البحوث أنه حينما تغلق المدارس لمدة أربعة أشهر، فإن الجائحة قد تؤدي على المدى البعيد إلى فقدان نصف عام من الدراسة إذا تم تعديل الأعوام الدراسية بحسب جودة التعلم. ويؤدي هذا إلى تراجع متوسط عدد أعوام الدراسة التي يحصلها الطلاب في الدول النامية على مدار حياتهم إلى أقل من 7.5 عام، وهو ما يفضي إلى نقصان الإنتاجية في المستقبل، وما لذلك من عواقب مستديمة.
بالنسبة للنساء والفتيات اللاتي يتحملن في العادة العبء الأكبر لأعمال الرعاية والأشغال المنزلية، فإن الجائحة قد تؤدي إلى تفاقم العنف ضد المرأة، وتفشي زواج القصر، والحمل في سن المراهقة، وهو ما يتسبب في مزيد من التقليص لفرصهن في التعلم والتمكين الاقتصادي.

بعد كورونا .. هل ستتغير كثيرا بعض العادات؟

بعد جائحة كورونا المدمرة لاقتصادات الدول والشركات وأرواح البشر، لن تنظر الدول إلى الانتشار الفيروسي في دولة معينة على أنه لا يعنيها، ولا علاقة لها به، فالعالم أصبح كالجسد الواحد بحيث إذا اشتكت دولة من فيروس معين تداعت لها كل الدول خشية الإصابات والتدمير، لتمتد الخسائر ليس للأرواح البريئة فقط، وإنما لإحداث انكماش في النمو الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة وإفلاس الشركات. فقد أصبح العالم صغيرا، ومترابطا اجتماعيا واقتصاديا أكثر من قبل.
وعلى الرغم من إصرار كورونا على إزهاق الأرواح، فإنها ستحدث آثارا إيجابية دائمة في التعليم والأعمال والاجتماعات الرسمية، وكذلك في عادات وتقاليد الشعوب، بعضها عادات تتعلق بالصحة وبعضها اجتماعية، وأخرى اقتصادية. فمن العادات الصحية التي ستبقى معنا حتى بعد زوال الجائحة تقبل المجتمع استخدام المعقمات والكمامات عندما يصاب الإنسان بأحد أمراض الجهاز التنفسي المعدية، وهذه العادة أو التقليد موجودة في دول شرق آسيا منذ عقود طويلة، ورأيتها شخصيا في كوريا واليابان. لذلك يلاحظ أن إصابات كورونا في تلك الدول قليلة جدا، مقارنة بالدول الأخرى، على الرغم من ارتفاع نسب كبار السن فيها.

الزعامة الاقتصادية بعد الجائحة تبدأ في أمريكا «2 من 2»

في وجود عدد قليل من خيارات تعزيز النمو الاقتصادي الحقيقي، شعر بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بأنه ملزم باتخاذ خطوات لم يكن من الممكن التفكير فيها سابقا التي تعمل بشكل متزايد على تشويه عمل الأسواق المالية، ما يؤدي إلى تفاقم اتساع فجوة التفاوت في الثروة وتشجيع الإفراط في خوض المجازفة من قبـل كل من المدينين والمستثمرين. وبدلا من كونه جزءا من الحل، يجازف الاحتياطي الفيدرالي الآن بإيجاد مزيد من المشكلات، بما في ذلك سوء تخصيص الموارد، وتكديس الديون، وعدم الاستقرار المالي، وكل هذا من شأنه أن يعمل على تقويض النمو.
لا يخلو الأمر أيضا من انعدام التوازن بين النوايا والنتائج في العلاقات الاقتصادية الدولية. ففي سعيها إلى جعل النظام التجاري العالمي أكثر عدالة، لاحقت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب سياسات ثنائية تسببت في تقويض التدفقات التجارية. والآن أصبحت الولايات المتحدة أكثر الاقتصادات المتقدمة انتهاجا لسياسات الحماية.
في عموم الأمر، في الوقت الذي تتطلب فيه الأزمات المالية المتكاثرة التنسيق الوثيق لاستجابات السياسات على المستويين الفردي والجمعي، كانت إدارة ترمب حريصة على تحاشي التعددية. ومن منظور بعض الدول في آسيا بشكل خاص أصبح من غير الممكن على نحو متزايد التنبؤ بسياسة الإدارة الأمريكية، إلى الحد الذي أثار الشكوك حول متانة وموثوقية النظام العالمي الذي يعتمد في صميمه على الولايات المتحدة. على سبيل المثال، عملت الصين على التعجيل بجهودها الرامية إلى تعميق الروابط الثنائية والإقليمية حتى يتسنى لها تجاوز الولايات المتحدة، ولكن على حساب تفتيت النظام الدولي.

الوظيفة بين معياري المهارة والشهادة

فجر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في الأسبوع الماضي قضية مهمة في مجال التوظيف في الإدارة الأمريكية، حيث قرر اعتماد "المهارة" وليس "الشهادة" وسيلة رئيسة للتوظيف في الحكومة الأمريكية.
والواقع أن الرئيس الأمريكي أراد بهذا القرار أن يسلط الضوء مرة أخرى على قضية "المعرفة" وأهميتها في إعادة بناء الاقتصاد الأمريكي، بعد أن تضرر كثيرا من جائحة كورونا، التي اجتاحت أمريكا وألحقت باقتصادها أضرارا بالغة.
والحقيقة أن ما فعله الرئيس ترمب الآن سبق أن فعلته كبرى الشركات مثل، "مايكروسوفت" و"جوجل" و"أبل"، هذه الشركات وغيرها من الشركات متعددة الجنسيات، تعتمد في سياستها التوظيفية على المهارة وليس الشهادة.
وحينما نستعرض أهم خصائص اقتصاد المعرفة ندرك إلى أي مدى كان الرئيس الأمريكي صائبا في قراره.
ونؤكد أن اقتصاد المعرفة أصبح خيارا حتميا لجميع الدول، التي تتطلع إلى اللحاق بركب التنمية والحضارة بعد الأضرار التي أحدثتها جائحة كورونا في الاقتصاد العالمي، ودون تحضير مجتمع المعرفة لا تستطيع الدول أن تنهض وتلحق بركب التنمية والحضارة.
وإذا نظرنا إلى مجتمع المعرفة في الدول الكبرى، نجد أن الثروة البشرية هي المحرك الأساس للثروة الطبيعية "وليست الثروة الطبيعية هي المحرك للثروة البشرية"، ولذلك فإن اختيار المواهب هو دعم للابتكار والإبداع، وهو مطلب ملح على طريق تكوين مجتمع معرفي يتمتع بمعرفة واسعة وراسخة.

مقالات اخرى

الادخار .. الثقافة الغائبة

يشكل مفهوم الادخار، إحدى أهم الممارسات في اقتصاد الدول، فهو ظاهرة اقتصادية أساسية في حياة الأفراد والمجتمعات، ويعد فائض الدخل عن الاستهلاك، وأول خط

«خطأ في الإدخال»

مهم وجميل أن تتحول معظم الخدمات الحكومية إلى خدمات إلكترونية، تريح الناس والحكومة، وتحقق فاعلية تفاوتت من جهة إلى أخرى تبعا لتصميم بواباتها، وتنفيذ

نعود بوعي

أصبح التباعد الاجتماعي الموضوع الأهم بعد أن بدأت أغلب دول العالم برحلة العودة إلى الحياة الطبيعية المقننة.