تهريب الدعم إلى الخارج

الأصل في الاقتصاد الحر هو المنافسة، التي تضمن أسعار التوازن وتعكس مستويات الطلب والعرض. لكن الاحتكار ليس شرا دائما، خاصة إذا كان المحتكر هو الدولة نفسها التي تهدف من الاحتكار إلى تقديم خدمات أو سلع بسعر محدد ومدعوم، وذلك لتحقيق أهداف عدة. لكن في أحيان كثيرة يتحول الدعم إلى مشكلة بذاته، فهو يوجد سعرا غير حقيقي للسلع، فيكون السعر أقل بكثير من سعره في الأوضاع العادية، والمشكلة تحدث من جوانب عدة، الأول عدم العدالة في توزيع الدعم فيحصل الثري، كما يحصل الفقير المعوز، وهذا يعزز من ثراء الأثرياء، ولا يقدم الفرق للفقير المحتاج، الأمر الثاني هو استغلال التجار للدعم وتخزين السلع واحتكارها لإيجاد أزمة في الطلب، وإعادة بيعها من خلال ما يسمى "السوق السوداء". وهذا التلاعب يسبب فوضى عارمة في السوق، ومعالجته مكلفة وقلما تحقق نتائج.
المشكلة الأخرى من مشكلات الدعم وهي الأكثر تعقيدا وتظهر مع تهريب السلع المدعومة إلى الخارج، عندما يكون سعرها في الخارج أعلى بكثير من مستوى السعر في الداخل (نظرا للدعم)، وهذه الظاهرة تحدث كثيرا إذا كانت الدولة الغنية تعيش بجانب دول فقيرة لا تستطيع الدعم، أو بجانب دول ذات أسواق مفتوحة وليست موجهة.
هذه المشكلات المصاحبة للدعم ظهرت جميعها في اقتصاد المملكة، نظرا لأن الحكومة تدعم السلع الأساسية بقوة وبشكل واسع، ودونما تمييز بين السلع أو المستفيدين. فهناك دعم في الكهرباء يستفيد منه الجميع سواء الغني أو الفقير على أن استهلاك الغني أكبر بكثير من الفقير، وظهرت في المملكة الأسواق السوداء في الحديد والأسمنت وفي الدقيق والشعير كذلك، وقد كلف الكشف عن هذه الأسواق ومحاربتها الكثير. واليوم ومع الأوضاع السياسية المعقدة في كثير من الدول المجاورة خاصة اليمن وسورية والعراق، وغياب أجهزة الدول هناك ودورها في مراقبة الحدود، فقد نشأت بشكل واسع ظاهرة تهريب الوقود. وهي ظاهرة ضارة تسعى إلى شراء الوقود من المملكة (وهو سلعة مدعومة بقوة في المملكة) ونقلها إلى الخارج، خاصة إلى هذه الدول المضطربة من أجل بيعها بأسعار كبيرة. فالأسواق في هذه الدول تعاني عدم توزان بين العرض والطلب وهناك (في ظل غياب الأمن) قلة قليلة جدا من القادرين على عرض هذه السلعة المهمة وبيعها، والهدف من هذا هو الحصول على ربح ضخم فوق العادة، وينتج من الفرق بين سعر الوقود في المملكة وسعره العالمي (بسبب الدعم) ومن الفرق بين سعره العالمي وسعره في هذه الدول (بسبب ضريبة الحرب والاضطراب السياسي)، ولهذا فإن أسرع وأفضل وسيلة للثروة هي نقل الوقود من المملكة إلى هذه الدول المضطربة، وبذلك يحقق المهربون فوائد ضخمة بعشرة أضعاف السعر المدعوم في المملكة على الأقل.
وعلى الرغم من تعاطف المملكة الدائم مع الأشقاء ودعمها للاستقرار، سواء الاقتصادي أو السياسي، إلا أن مثل هذه الظواهر خطيرة على الاقتصاد السعودي داخليا، ذلك لأن الدعم يفقد هدفه تماما، وبدلا من أن ينتهي الدعم إلى من يحتاج إليه في داخل المملكة ويعزز من النمو الاقتصادي لدينا، نراه ينتقل إلى عصابات تهريب هدفها الفوز بثروة ضخمة في أقل وقت وبطرق غير مشروعة، إضافة إلى ما يسببه من اضطرابات على الحدود.
وهناك خيارات للحل أولها هو إيقاف الدعم وهذا حل غير مناسب بسبب حاجة المملكة وشعبها إلى هذا الدعم اليوم وحتى نضمن بقاء مستويات النمو الاقتصادي عند المستوى المتوقع. الحل الثاني هو نقل الدعم من السلعة إلى الراتب أو أي طريقة أخرى، وهذا صعب علميا. الثالث هو حظر التصرف في هذه المنتجات البترولية ووضعه تحت مراقبة الدولة وعينها، وهذا الحل تبنته لجنة حكومية مختصة، حيث أوصت بضرورة إشراف وموافقة شركة أرامكو قبل حصول أي شركة على الوقود، لكن في ظل اضطراب الحدود، فإن هذا الحل سيفقد جزءا كبيرا من قيمته، فالمهربون لديهم أساليب قد تبدو مشروعة أحيانا، منها دخول سيارات إلى الجانب السعودي وتعبئة الوقود في المملكة والعودة إلى الداخل وتفريغه فورا والعودة مرة أخرى أكثر من مرة في اليوم الواحد. وللحقيقة، فإن الحل صعب، ونحن ندفع فاتورة الاضطراب السياسي في الدول المجاورة، ولهذا فإن جزءا من الحل هو المسارعة في دعم الاستقرار السياسي والاقتصادي هناك.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي