أسباب كفاءة وفشل الحكومات لدى فرانسيس فوكوياما
السؤال المركزي هو كيف ينجح مجتمع ويفشل آخر في بناء دولة حديثة من خلال الانتقال من مجتمع يسوده الاحتفاظ بالموروث إلى دولة حديثة. يذكر فوكوياما أن هناك طريقين من خلال التجارب المذكورة في العمود السابق.
الطريق الأول من خلال المنافسة العسكرية، الصين القديمة وألمانيا واليابان دخلوا في حروب طويلة داخلية ومع الجيران، حيث كانت الحاجة ملحة إلى دولة فاعلة بغرض البقاء الوطني. المتطلبات العسكرية تخلق استحقاقات أقوى بكثير من الحوافز الاقتصادية، إذ ليس هناك شيء ذو قيمة إذا كان الخيار البقاء من عدمه. الحاجة إلى العسكرة تتطلب درجة عالية من الكفاءة والانضباط، وكذالك تتطلب الحروب نظاما ضريبيا دقيقا وحرصا على تجميع المال. هذه مسؤوليات معقدة تتطلب كفاءات تفرض الحرص على الجدارة. هذه المسؤوليات تنتهي بضرورة وجود نظام بيروقراطي يحتاج إلى كفاءات من خارج النخب المحسوبة. بعد الثورة الفرنسية أصبحت القومية تلعب دورا رئيسا في تكوين الدولة، ما تطلب دورا أكبر للجيش في تحديث الدولة كمؤسسة جامعة مستقلة. هذا التوجه أعطى دفعة أخرى للحكومة الفاعلة.
أول من وظف العسكرة في بناء الدولة كانت الصين القديمة، حيث بدأت أول امتحان للجدارة في الجهاز البيروقراطي في القرن الثالث قبل الميلاد، بينما لم تأخذ أوروبا بهذا إلا في القرن التاسع عشر. كذلك كانت تجربة بروسيا فريدة إذ كان للعسكرة دور مهم إلى أن انهزمت ألمانيا من نابليون في 1806، التي على أثرها فتحت الجهاز البيروقراطي للطبقة الوسطى. الجدية الألمانية في قوة واستقلال الجهاز البيروقراطي ساهمت تدريجيا في بناء قوة نظام شمولي سياسي، مما سهل دور بسمارك لاحقا في توحيد ألمانيا بالقوة. واستمرت قوة الجهاز الحكومي إلى أن ساهم لاحقا في دور ألمانيا في حروب القرن العشرين، ولا تزال قوة ألمانيا الحكومية ظاهرة إلى الآن، حيث عبر عنها وضع ألمانيا في الأزمة المالية العالمية مقارنة باليونان وإيطاليا.
الطريق الثاني لتحديث الدولة كان من خلال عملية الإصلاح السياسي السلمي القائم على مجموعات ترغب في تأسيس نظام حكومي فاعل وغير فاسد. القاعدة الأساسية لهذا النظام هي عملية التحديث، خاصة في الميدان الاقتصادي، حيث النمو الاقتصادي هو طريق الارتقاء الاجتماعي ودرجة التخصص في سوق العمل. التصنيع يقود إلى التوسع في الحياة المدنية، وزيادة مستويات التعليم والتخصص المهني بعيدا عن المجتمعات الأقل تقدما. هذه المجموعات الجديدة ليس لها مصالح قوية مع النظام الأبوي، فإما أن النظام الأبوي يحتويهم لحين وإما أن يبدأوا في تأسيس تجمعات مستقلة تنادي بتغيير الأنظمة التي تعمل بها الحكومة. هذا وصف لما حدث في بريطانيا وأمريكا على مدى القرن التاسع عشر حتى الستينيات من القرن الماضي في أمريكا. ولكنه لم يحدث في اليونان وجنوب إيطاليا، أو أن كفاءته محدودة للغاية في تقاطع مع الدول النفطية الآن.
المحسوبية نظام فعال في التنظيم السياسي في الدول التي دخل وتعليم الفرد قليل، ولذلك يذكر فرانسيس أنه من الأفضل أن تفهم بأنها أحد صيغ الديمقراطية المبكرة. وهذا ما حدث في أمريكا في الثلاثينيات من القرن التاسع عشر، واليونان بعد ذلك بعقدين، وإيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية. مبدأ الحكومة المبنية على الفعالية هو الجدارة، بينما مبدأ الديمقراطية هو المشاركة الشعبية. هذان المبدآن ممكن أن يعملا معا ولكن دائما ما يحدث شد بينهما.
العلاقة بين التحديث السياسي والنمو الاقتصادي وفعالية الجهاز الحكومي دائما معقدة، فمثلا متى تصبح سلطة القانون نافذة؛ لأنه بدون سلطة القانون لن يكون هناك فرصة للتقدم الاقتصادي الحقيقي المنافس عالميا، ولكن سلطة القانون تمر من باب البيروقراطية المبنية على الجدارة، وهذه بدورها تتطلب قرارا سياسيا، ولكن القرار السياسي يصعب إذا كانت الحالة الاقتصادية منهكة أو مخترقة من مصالح ضيقة. الخطر دائما موجود حين تكون الحكومة ضعيفة، وتختطف من قبل المتمصلحين قبل أن يقوى هيكل النظام والقانون. ولكن التعقيد لا يقف هنا، بل إن حتى وجود طبقة وسطى لا يعفي من الفساد المؤثر الذي يعوق التحديث العميق مثل ما يحدث الآن في اليونان وإيطاليا في تقاطع آخر مع الدول النفطية، ولعلي أقول في الكثير من الدول النفطية التي استطاعت إيجاد طبقة وسطى ولكنها لم تنجح في التحديث أو التمدن؛ فالمدن فيها أقرب إلى أن تكون حالة من انتقال القرية إلى المدينة. في العمود القادم نتلمس الدروس وما قد يفيد مجتمعاتنا.