الأرز قادر على إطعام العالم بمزارعين أقل

تطور تقنيات الزراعة رفع إنتاجية الأراضي بقدر كبير دون الحاجة إلى توسيع الرقع المزروعة

- تحسين التقنيات الزراعية ومنها تعديل المورثات يفيد البشرية ولا أدلة على أضراره

- تثقيف المزارعين بشأن استخدام الأسمدة ضرورة لتفادي تبعات الإكثار منها صحياً

- مشاريع الري ضرورة يجب أن تلتفت إليها الحكومات لزيادة إنتاج الغذاء وتفادي مواسم الجفاف

 

في عالم يقلقه نقص غذائي وشيك بسبب أزمة المناخ، يُمثّل انهيار أسعار الأرز -الذي يقترب الآن من أدنى مستوياته منذ 18 عاماً- دليلاً على أن تدخلات الحكومات والأساليب الزراعية الحديثة قد تُنقذ الموقف. يكمن السر في الإنتاجية، أي مزيد من الغذاء عبر عددٍ أقل من المزارعين.

سعر الأرز يقترب من تسجيل أدنى مستوى في 18 عاماً

عندما نفكر في التطورات التقنية، تتبادر إلى أذهاننا الإنترنت والهواتف الذكية، والآن ظهور الذكاء الاصطناعي. لكن الزراعة شهدت ثورةً إنتاجيةً هائلةً وغالباً ما نغفل عنها، إذ شهدت الغلال زيادات هائلة على مدى القرن الماضي.
الأرز مثال رائع؛ فقد حصد المزارعون حول العالم ما متوسطه 2.4 طن للهكتار في عام 1975، وتحسن المحصول إلى 3.8 طن بحلول عام 2000، واليوم تضاعف تقريباً إلى 4.7 طن. كما شهدت محاصيل أخرى، من الذرة إلى فول الصويا إلى القمح، مكاسب هائلة، وسمح ذلك بإنتاج محاصيل أكثر حتى في ظل ظروف مناخية أصعب. ويمكن الحفاظ على هذه المكاسب.
محصول الأرز العالمي ارتفع باضطراد خلال 5 عقود بسبب تحسن الأسمدة والمبيدات ووسائل الري.

إنتاجية الذرة في ارتفاع

تمثل سوق الذرة أيضاً نموذجاً لقدرتنا حديثة العهد في إنتاج مزيد من الغذاء. لعقود حتى أوائل الأربعينيات من القرن الماضي، استقرت الغلال عند نحو 20 إلى 30 بوشل للفدان. ومنذ 1945 فصاعداً، تحسنت الغلة بشكل مطرد، في البداية بمعدل بوشل واحد للفدان سنوياً، وأخيرا بمعدل بوشلين سنوياً تقريباً. تتوقع وزارة الزراعة الأمريكية هذا العام أن يحصد المزارعون ما يقرب من 189 بوشل (نحو 5 أطنان) للفدان -وهو رقم قياسي، ويمثل ضعف ما كان ممكناً قبل 5 عقود.
محصول الذرة الأمريكية تحسن منذ أربعينيات القرن الماضي بفضل وسائل الزراعة الحديثة
نستفيد جميعاً من طفرة الإنتاجية التي لا نلتفت إليها، وبغيابها كانت أسعار الغذاء سترتفع بشدة، ولعانت مناطق أوسع من العالم من الجوع اعتيادياً.
ومع ذلك، ما تزال المعارضة لأساليب الزراعة الحديثة تتزايد، وغالباً ما تصاحبها دعوات للعودة إلى أساليب الماضي: عالم قليل الزراعة الآلية، بلا أسمدة أو مبيدات حشرية أو بذور معدلة وراثياً أو حتى ري.
تتجلى فوائد الاستثمارات الحكومية في الزراعة الحديثة بشكل أوضح في الأرز، أهم محصول عالمي للأمن الغذائي. حتى لو تجاهله المستثمرون ووول ستريت إلى حد كبير، فإن الأرز غذاء أساسي لنصف سكان العالم.
وطوال السنوات الـ4 الماضية، كانت الدول الآسيوية والإفريقية في حالة تأهب، فقد أدى مزيج خطير من سوء الأحوال الجوية والحمائية والشراء بدافع الذعر إلى ارتفاع تضخمي في الأسعار.

مخاطر سياسية

في آسيا، لهذا النوع من الحبوب قدرة على الإطاحة بالحكومات؛ وراقب القادة الوطنيون بقلق ارتفاع سعر الأرز الأبيض التايلندي، وهو المعيار الإقليمي للسلعة، بنسبة 5% ليبلغ أعلى مستوى له في عشر سنوات عند 650 دولاراً للطن بحلول مطلع عام 2024، وهي قفزة تزيد على 60% حيث بلغ 400 دولار للطن في منتصف عام 2021.
كان القلق من أن الأسعار قد تعود إلى أعلى مستوى قياسي لها عند أكثر من 1000 دولار للطن الذي سُجل في موسم 2007-2008، عندما امتدت أعمال الشغب بسبب الغذاء من بنغلاديش إلى السنغال إلى هايتي.
خشي البعض أن يكون هذا هو الوضع الطبيعي الجديد، بسبب تأثير تغير المناخ في المحاصيل. يقيناً كان للطقس دوره، لكن بدلاً من أزمة المناخ، كان السبب الرئيسي هو ظاهرة النينيو الجوية المتقطعة، التي تُؤثر في أنماط هطول الأمطار في آسيا. لقد ثبت أن المخاوف من أن انبعاثات الكربون ستؤدي إلى ارتفاع مستمر في أسعار الأرز مبالغ فيها.
الآن، بعد عودة الأمطار إلى معظم أنحاء آسيا، تُسهم الزراعة الحديثة في تحقيق ذلك. سيحصد العالم محصولاً قياسياً من الأرز يبلغ نحو 541 مليون طن في موسم 2025-2026. وللمقارنة، سيمثل هذا ضعف محصول الفترة 1980-1981، في حين أن مساحة الأراضي المزروعة لم تتغير كثيراً. فلا عجب أن الأسعار انخفضت.
يمكن للعالم -وآسيا تحديداً- بذل مزيد من الجهود لتوسيع طفرة الإنتاجية. يكمن الحل في ضمان حصول المزارعين على قروض وفيرة، حتى يتمكنوا من الاستثمار في الآلات الحديثة والأسمدة والمبيدات الحشرية. كما أن الري ضروري، ويتطلب استثماراً عاماً، ينبغي توجيهه أيضاً نحو الأبحاث لتحسين البذار.
كما ينبغي تشجيع التطورات في علم الوراثة الزراعية، التي يمكن أن تُنتج نباتات تتحمل قلة الأمطار والفيضانات، لا حظرها. وقد أكمل العلماء الصينيون تجارب على أصناف جديدة من الأرز المعدل وراثياً تُبشر بأمل كبير؛ وينبغي على آخرين في المنطقة أن يفعلوا ما يشبه ذلك.
مع كل تقدم تقني توجد مخاطر. الإفراط في التسميد أحد هذه الأسباب، ولكن يمكن معالجته بتثقيف المزارعين لتبني أفضل التقنيات. في الوقت نفسه، لا تُشكل بذور النباتات المعدلة وراثياً أي مخاطر على الصحة أو البيئة، في رأيي؛ فقد حُظرت في معظم أنحاء العالم دون سبب وجيه.
في تقرير صدر 2010، استعرضت المفوضية الأوروبية نتائج أكثر من 25 عاماً من الأبحاث العلمية حول الكائنات المعدلة وراثياً، وخلصت إلى أن التقنية الحيوية، وخاصةً الكائنات المعدلة وراثياً، ليست في حد ذاتها أخطر من تقنيات تربية النباتات التقليدية“.
وقالت منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة إنه بعد عقود من زراعة الكائنات المعدلة وراثياً في عدة دول "لم يُسبب استهلاك الأغذية المعدلة وراثياً أي آثار صحية سلبية معروفة".
هناك تحدٍّ أخير: فالزراعة الأكثر إنتاجية تعني في النهاية عدداً أقل من المزارعين. وهذا أمر جيد - فآسيا وإفريقيا بحاجة إلى مزيد من الغذاء، وليس مزيد من الناس الذين يعملون في الفلاحة.
يتعين على الحكومات إدارة الهجرة من المناطق الريفية إلى المدن، ومن حرث التربة إلى العمل في الصناعة أو اقتصاد الخدمات، لأن ذلك هو الطريق إلى الثراء في أمريكا وأوروبا على مدى الـ100 عام الماضية. كما يُبين سعر الأرز، يمكن للعلم أن يُساعد العالم على التكيف مع تغير المناخ دون أن يُعاني جوعاً.

كاتب عمود في قطاع الطاقة والسلع في بلومبرغ.

خاص بـ " بلومبرغ"

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي