«استراتيجية الحكمة» للملك.. توحيد الصف الخليجي
ليست المرة الأولى التي مارس فيها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، تلك الحكمة في قضايا بلغت حدا، وجد البعض أنها ليست قابلة للحل، لكن الملك عبد الله بن عبد العزيز ليس من أولئك القادة الذين يتركون للمصاعب الانتظار، خصوصاً في القضايا المصيرية التي تخص الأمن الخليجي والعربي والإسلامي. ووفق هذه الخطوط يتحرك خادم الحرمين بنفس طويل، حرصا على المكتسبات المتصلة بمنطقة الخليج والعالمين العربي والإسلامي. لقد حول خادم الحرمين الشريفين الحكمة إلى استراتيجية، وصنع منها النتائج المطلوبة. قد يطول حل هذه القضية هنا أو هناك، وقد تحدث بعض التداعيات (وهذا طبيعي)، ولكن في النهاية يأتي الحل ضمن المصالح العليا لكل الأطراف، ولا سيما تلك التي ترتبط بوشائج أكثر من مادية، وأكبر من مرحلية، وأضخم من مصالح ذاتية تضيق هنا وتتسع هناك.
وإذا كان هناك من عنوان عريض أحدثته "استراتيجية الحكمة" للملك عبدالله، فيظل دائما "توحيد الصف الخليجي". وهذه النقطة على وجه التحديد، تمثل محور هذه الاستراتيجية، التي ظهرت في أكثر من قضية وأكثر من حالة خلافية على الساحة الخليجية. وانسحبت على الساحة العربية في محطات سابقة. وفي النهاية أنتجت المردود المطلوب، الذي يستند إلى أقل الأضرار الممكنة، وأكثر التفاهمات المضمونة والمستدامة. وليس أسهل من التصعيد في القضايا الخلافية، وكثير من هذه القضايا كان يمكن احتواؤه بسهولة، إلا أنه اتجه نتيجة التصعيد نحو التدهور، بل بعضها تسبّب في خراب عام، لا يزال المعنيون به يدفعون الثمن بأشكال مختلفة. كما أن أي منطقة في هذا العالم لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون خالية من المشكلات والمصاعب، لكن عندما تكون خالية من الحكمة، هنا تتشكل المأساة، ومعها النتائج المدمرة.
لم يترك خادم الحرمين الشريفين، وسيلة إلا واستخدمها أو استجلبها، من أجل تعزيز وحدة الصف في الخليج العربي. بل عمل طوال السنوات الماضية على تكريس مرحلة التمكين في هذا المجال. لأسباب عديدة، تخص الخليج بالتأكيد، ولكنها تخص بقية المنطقة العربية. ولم تمر مرحلة في السابق إلى هذا اليوم، إلا واستُهدفت دول الخليج العربية بأشكال مختلفة. بعضها وصل إلى حد العلن، وبعضها الآخر متوارٍ، موارب على أمل ألا يلحظه طرف ما. وكل السياسات التي استهدفت منطقة الخليج، كانت تتلكأ عند الحدود المرسومة، وهذه الحدود تحصنها وحدة الصف. وإذا كان للحكم استراتيجية عند خادم الحرمين الشريفين، فقد أوجد لوحدة الصف الخليجي استراتيجية أيضاً. ولا سيما مع ارتفاع وتيرة المخاطر على الساحتين الإقليمية والعالمية.
الاتفاق الأخير الذي تم التوصل إليه مع قطر استند في كل المراحل السابقة له، إلى هذه الاستراتيجية. فلا يمكن حل المشكلات التي تنجم بين الأشقاء الخليجيين، وفق أسس بعيدة عن الحكمة. يضاف إلى ذلك، أن محورية المملكة وقائدها أسهما في تعزيز الاستراتيجية المشار إليها. إلى جانب (طبعا) التجارب السابقة في أكثر من قضية وملف، التي انتهت إلى أفضل الحلول، والأهم إلى الحلول الجيدة المستدامة. من المملكة تم التوافق، وعاد سفراء السعودية والإمارات والبحرين إلى الشقيقة قطر. ومنها تم وضع حد لخلاف طال بالفعل، لكنه انتهى بالصورة التي يتمناها جميع شعوب دول مجلس التعاون الخليجي. ولولا تلك الاستراتيجية التي تعالج المشكلة، وفي الوقت نفسه تحاكي آفاق المستقبل، لكانت الخلافات لا تزال قائمة، لكن حكمة خادم الحرمين كانت تستهدف دائما الحيلولة دون كل من يسعى إلى النيل من وحدة الدول الخليجية ومكتسباتها، وروابطها الروحية والثقافية والطبيعية الجيوسياسية .. وبما يؤكد أن التعاون في مساره الحثيث للوحدة كقوة إقليمية لمصلحة أمتها العربية ومحيطها الإسلامي، وفي الوقت ذاته لمصلحة السلام والاستقرار في العالم.