القيادة الاحترافية .. مقرَّر جامعي

تشهد مناطق المملكة الكثير من حوادث الطرق التي يذهب ضحيتها الآلاف سنوياً، حيث سجلت آخر إحصائية في المملكة سبعة آلاف قتيل سنوياً، فضلاً عن الأضرار البشرية والمادية، ناهيك عن الأضرار الاجتماعية التي تصيب الأسر نتيجة موت رب الأسرة أو بقاء أحد أفرادها وحيداً على قيد الحياة، وهي من القضايا التي لم تجد حتى الآن اهتماماً من الدارسين لفهم مدى تأثير الحوادث اجتماعياً في بيئة المملكة. لكن من اللافت أن مشكلة الحوادث المرورية تزداد كلما اتجهت المناطق نحو المدنية وارتفعت فيها وتيرة النمو الصناعي والتجاري، ففي دراسة لشركة أرامكو السعودية تشير إلى أن المنطقة الشرقية سجلت ثاني أكبر منطقة في حوادث المرور بعد منطقة مكة المكرّمة، والسبب هو تمركز عدد كبير من المناطق الصناعية والمصانع المهمة وانتشار المعدات والشاحنات الكبيرة على الطرقات. وبرغم الجهود التوعوية الضخمة التي تقوم بها الدولة في هذا الجانب، وتطوير أنظمة من العقوبات الرادعة بشأن مخالفي أنظمة السير، إلا أن المشكلة قائمة والحلول جزئية فقط. فالمشكلة معقدة جدا وتطوير الأنظمة والعقوبات الرادعة للمخالفين يمثل جزءاً منها ولذلك تبقى الأمور في حاجة إلى مزيد من تضافر الجهود لمواجهتها.
هناك خطوة رائدة من ''أرامكو السعودية''، قدمت فيها مقترحاً إلى وزارة التعليم العالي والكليات العسكرية لتطبيق برنامج تطوير القيادة المرورية في الكليات العسكرية والصناعية وفي الجامعات كمقرَّر أساسي ملزم لجميع الطلاب يجب على الطالب اجتيازه أثناء دراسته في السنة التحضيرية. هذا المتطلب الجامعي يتكون من أربعة محاور، وهي: التعليم والتوعية، هندسة الطرق، الضبط المروري، والطوارئ، وقد جاء اقتراح ''أرامكو'' بناءً على تجربتها التي أجبرت فيها سائقي الشركة على دخول برنامج عن قيادة المركبات والسلامة المرورية قبل قيادة أي مركبة في الشركة. وأثمرت هذه التجربة إضافة إلى الأنظمة الرادعة التي تبنتها الشركة في الحد من الحوادث المرورية أو التغلب على آثارها المدمّرة للمجتمع.
لعله من المناسب القول إن التحول النوعي في التوعية المرورية قد آن أوانه في المملكة وأصبح لزاماً أن تمارس جميع الجهات دوراً وتتحمّل مسؤولية في هذا الشأن. من المهم أن يدرك المواطنون من خلال برامج تعليمية إجبارية حجم المخاطر التي على الطريق، وكيف عليهم توقعها والعمل على تجنبها، من المهم أن يتعلم المواطن معنى الإشارات المرورية وما تحمله كل إشارة من توقعات قد تنقذ حياته وحياة أسرته، فيما لو فهم تلك الرسائل التي تبعثها هذه الإشارات وأخذ التوقعات الناتجة عنها على محمل الجد. ومن خلال عملية تربوية إجبارية تشرف عليها مؤسسات عملاقة، مثل وزارة التعليم العالي والكليات العسكرية بمشاركة ودعم من الشركات الكبرى، من المهم أن يعي المواطن كيف يستطيع أن يتجنّب المخالفات المرورية، وأن التخلي عن بعض العادات قد يوفر له الكثير من الثروة خلال العام، فقط بسبب تجنّبه المخالفات المرورية التي تسبّبها تلك العادات الاجتماعية السيئة، مثل: عدم الوقوف في المواقف المخصّصة لمجرد أنها تبعد أمتاراً عدة من المكان الذي يقصده، أو عدم القدرة على الاحتفاظ بالهدوء في لحظات القيادة الحرجة كالتي تحصل مع هطول الأمطار، أو تعرّض المركبة إلى عطل مفاجئ أو إحدى المركبات الأخرى. إن لحظات من القرارات الصائبة والمحترفة قد تنقذ أسرةً بل أسراً، لكن الوصول إلى المهارة المطلوبة لاتخاذ قرارات احترافية أثناء القيادة لن تحصل مصادفة، بل من خلال منهج تعلمي واضح من مختصّين، وهو المقترح الذي ترفعه ''أرامكو'' إلى الجهات المسؤولة وتبدي استعدادها لدعم هذه التجربة كجزء من مسؤولياتها الاجتماعية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي