الأطفال السويديون يتبرعون لأقرانهم السوريين
كان الشهر الماضي في السويد بحق شهر الإحسان. وأنا أتابع كيف هبّ الشعب السويدي للتبرع للأطفال السوريين دون أن تطلب منه حكومته القيام بذلك، انتابني شعور قد لا يكون بإمكاني وصفه. والسبب هو كيف أن الأطفال في السويد أقحموا أنفسهم في الإحسان والتغطية الإعلامية لنشاطهم في هذا المجال من قبل القناة الخاصة بهم.
الطفل في السويد ''حتى عمر 12 سنة'' يعد حاجة مقدسة، له من الامتيازات والحقوق ما لا يملكه رئيس الوزراء أو الملك وحاشيته. بالنسبة للدولة الطفل يمثل أغلى كنز في البلد، فتنفق عليه بسخاء وتغدق عليه دون حساب لأنها تعده رأسمالها الحقيقي.
والأطفال السويديون يختلفون كثيرا عن الأطفال في الشرق الأوسط مثلا. هنا لا أقصد الرخاء والبحبوحة التي يعيشون فيها بل كون أغلبهم ''نحو 90 في المائة'' ولدوا في بيئة علمانية بحتة، غير متدينة ترفض قياس الأخلاق الإنسانية بمنظار الدين.
وفي المدارس ليس هناك أي تلقين أو تدريس لمادة الدين كما هو الشأن في البلدان الشرق أوسطية. حتى المحاكم هنا ترفض أن يقسم الناس أمامها على كتبها المقدسة. القسم بالشرف يعد كافيا.
ويتربى الأطفال هنا على أساس أن الدين مسألة شخصية بحتة. والسويد كانت الدولة التي رفضت رفضا قاطعا ذكر اسم الديانة المسيحية أو الإرث المسيحي الذي تمتلكه في دستورها أو أي من تشريعاتها وعملت على رفض أي ذكر له في دستور الاتحاد الأوروبي.
والسؤال الذي ينفر منه السويديون يتعلق بالاستفسار عن دينهم أو مذهبهم. يشمئزون من سؤال كهذا ويعدون سائله شخصا جاهلا.
قد يتصور المرء أن بيئة كهذه لن يترعرع فيها أناس يحبون الإحسان إلى الآخر الغريب عنهم تقريبا في كل شيء عدا كونه إنسانا مثلهم.
إلا أن العكس صحيح. لقد خلقت هذه البيئة مناخا صار الإحسان فيه جزءا من الثقافة والتربية العائلية والمدرسية. وإلا ما هو الدافع الذي بموجبه يقوم الأطفال في أعمار أقل من 12 سنة ببيع ملابسهم وألعابهم والتعاون مع آبائهم وأمهاتهم لطبخ وجبات طعام محددة وبيعها في الأسواق العامة والشوارع وتخصيص ريعها للأطفال السوريين؟
وما الدافع الذي بموجبه تتبارى المدارس الابتدائية بالتبرعات للأطفال السوريين؟ وما الدافع الذي بموجبه يخرج الأطفال إلى الشوارع وهم يحملون صناديق خاصة ويحثون المارة على التبرع للأطفال السوريين؟
كانت ظاهرة لافتة للنظر حقا أن يتبنى الأطفال في السويد قضية الأطفال السوريين بهذا الشكل الملحوظ. التبرع للأطفال خلال الأزمات والحروب ظاهرة سويدية بامتياز حيث يقوم الإعلام بدور كبير فيها، ولكن أن يتبنى قضية إنسانية مثل هذه أطفال وهم في عمر الزهور فإن ذلك لعمري مسألة لا بد من إبرازها والإشادة بها.
والقناة الخاصة بالأطفال تبث يوميا نشرة أخبار خاصة بالأطفال، وفي نشرة يوم السبت الماضي أجرت القناة لقاءات خاصة مع الأطفال وكانوا يتحدثون وكأنهم أناس بالغون يقتبسون من ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الطفل وميثاق حقوق الإنسان بطلاقة لأنهما جزء من المنهاج المدرسي.
وتتبعت النشرة المطولة ولم ألحظ أيا من الأطفال أو المذيعين أو مقدمي البرامج يشير أو حتى يومئ إلى دين أو قومية أو مذهب الأطفال السوريين ولم يقحم السياسة في الأمر مطلقا. كل همهم كان إنسانيا بحتا.
والريع سيذهب برمته إلى منظمة الأمم المتحدة للطفولة، اليونيسيف. حتى الأطفال في السويد يخشون تسييس تبرعاتهم إن سيطرت الحكومة عليها.