تعثر المشاريع و«فوضوية» المناقصات الحكومية
مشكلة تعثر المشاريع أصبحت ككرة الصوف، لا نعرف من أين تبدأ ولا من أين تنتهي، ولا كيف يمكننا أن نحل خيوطها، وأخيراً بيّن مسؤول في هيئة المهندسين السعوديين فشل أسلوب طرح المناقصات من قِبل الجهات الحكومية عند دعوتها المكاتب الهندسية إلى الإشراف على مشاريعها، واصفاً أسلوب العمل القائم بـ ''الفوضوي''. ولا يُوجد وصفٌ أكثر قسوة من هذا، فكيف أن أعمال المهندسين التي من المؤمل أن تتم بكل دقة، كطبيعة لازمة لكل الأعمال الهندسية، تتم بهذه الصفة الفوضوية، ومما يزيد القلق أن يصرح رئيس هيئة المهندسين السعوديين، بأن هناك أربعة آلاف مكتب، وبينما المكاتب التي تعمل في الإشراف على مشاريع أو قامت بالمشاركة في تصاميمها لا تتجاوز 2.5 في المائة ''أي 100 مكتب فقط''.
من المعلوم بالضرورة أن أهم الخطوات التي يمر بها المشروع الحكومي هي عملية بناء المواصفات والمقاييس اللازمة لتنفيذ المشروع، فهذه العملية بالذات يجب أن تأخذ حقها من الدراسة والتصاميم، وأن تتم دراسة المشروع على أرض الواقع، ومن ثم القيام بكل الدراسات اللازمة ووضعها في كراسة مواصفات دقيقة جداً، قبل عرضها على الشركات لتنفيذها، من المهم أن تصل إلى يد الشركة المنفذة، وكذلك الاستشاريين المشرفين على المشروع مواصفات دقيقة ومدروسة بعناية. لكن الذي يحدث الآن هو عملية ''فوضوية'' فعلاً، فالجهات الحكومية تكلّف مكاتب استشارية معروفة لديها من قبل لإعداد مواصفات المشروع، وهنا الكثير من التلاعب، خاصة أنه تم اكتشاف شهادات هندسية مزوّرة ''على حد وصف رئيس الهيئة''، وأشخاص يعملون في مهنة الهندسة وهم لا يمتون لها بصلة، أو هم مجرد وكلاء لمكاتب أجنبية تعمل من بلادها. فعند رغبة الجهة الحكومية إعداد كراسة المواصفات، فإن العملية تتم بمجرد تكليف مباشر للمكتب الهندسي المعروف مسبقاً من قِبل الأمين، أو رئيس البلدية أو الوزارة، أي لا تتم عن طريق عملية تنافسية صحيحة، والمهم هنا هو المعرفة السابقة وسرعة الإنجاز بغض النظر عن صحة ودقة كراسة المواصفات هذه، وملاءمتها للواقع. وكل ما يفعله المهندس ''الوكيل هنا'' هو إرسال الطلب إلى المكاتب الرئيسة في الدول المجاورة لإرسال التصاميم وكراسات المواصفات الجاهزة، هكذا دون دراسة حقيقية للمشروع في أرض الواقع. وبهذه ''الفوضى'' يتم طرح المشروع للمنافسة، ثم عندما تبدأ الشركة المنفذة في بدء الأعمال الحقيقية على أرض الواقع ووفقاً للمواصفات التي لا تتماشى مع طبيعة الأرض وقياسات التربة، تبدأ سلسلة التعثر الطويلة، واتهامات لا حصر لها لجميع الأطراف ما عدا الشركة الهندسية التي أعدت التصاميم.
من المحزن أن تقف على مشروع في أرض مثل المملكة، يضع النوافذ خشبية، أو يكتب في المواصفات، عملية تصريف مياه النهر، أو لا توجد دورات مياه، أو مواصفات للتكييف، ثم على استشاري المشروع ومهندسي الجهة الحكومية التفاوض مع الشركة المنفذة لنقل هذا البند إلى ذاك، أملاً في إنجاز المشروع ولو بمواصفات جديدة، قد تستدعي بعض هذه التعديلات العودة إلى الوراء وطلب تعميدات جديدة، ليعود المشروع من نقطة الصفر بينما يقف عند قواعده في أرض الواقع.
من المحزن أن نعاني كل هذه المعاناة من هدر وتعطل المشاريع المتعثرة ثم تقف جميع مؤسسات الدولة عاجزة أمام تطوير العمل الهندسي، وهنا نؤيد طلب رئيس هيئة المهندسين بضرورة سرعة تطبيق نظام مزاولة المهنة الذي طالبت الهيئة بإقراره منذ ستة أعوام مضت''، وهو المشروع الذي لم يزل متعثراً بين مجلس الشورى وهيئة الخبراء.