ذاكرتك تخدعك
هل من الممكن أن تخدعنا ذاكراتنا؟ وهل يمكننا تعديل ذكرياتنا؟ هل نستطيع مسح المؤلم منها وزرع ذكريات جميلة؟
رأينا إجابات لمثل هذه الأسئلة التي قد تدور في بالك في الكثير من أفلام الخيال العلمي حيث قاموا بزراعة ذاكرة في الدماغ البشري مباشرة مثلما حدث في فيلمthe matrix أو حينما قاموا بمسح جزء من ذاكرة البطل بإزالة خلايا معينة في فيلم pay check وغيرهما كثير من أفلام الخيال العلمي التي باتت قاب قوسين أو أدنى من الواقع، فقد قطع العلماء شوطاً كبيراً لتحويل الخيال إلى واقع ملموس والتلاعب بعقول البشر!
هذا التلاعب أو التغيير سيجعل الواحد منا يتذكّر أشياءً لم يقم بها أساساً! وما أتحدث عنه هنا يختلف عمّا نعرفه سابقاً من التأثير النفسي في عقل الشخص وذاكرته أو ما يُعرف بعمليات ''غسيل الدماغ'' أو ''التنويم المغناطيسي'' أو استخدام أي ''مؤثرات نفسية'' أخرى تجعلك تعتقد بحدوث ما لم يحدث، وقد تصر على أنك رأيت حدثاً معيناً أو تشهد في قضية ما بما صوّرته لك ''ذاكرتك الزائفة أو الكاذبة'' التي حوّلت المتهمين في بعض الجرائم إلى مجرمين حتى ثبتت براءتهم بالأدلة الحسية مثل الـ ''دي إن آي'' ونسجت لنا تاريخاً غير حقيقي لبعض الأحداث لم يقع أصلاً، مثل أن تروي حدثاً معيناً من وجهة نظرك وتتمسّك بتصوّرك، بينما يأتي شخصٌ آخر حضر معك الحدث نفسه ويرويه بطريقة مختلفة تماماً، فعقل الإنسان وذاكرته معقد التركيب وليس مثل شريط الـ ''سي دي'' أو ''الهارد دسك''، فنحن عندما نتذكّر نعيد بناء التجارب التي مررنا بها وتتدخّل فيها جميع حواسنا لتخلق لنا ذاكرة حقيقية أو مزيّفة في بعض الأحيان، والأغرب أننا قد نتبنى ذكريات غيرنا عندما نتذكّر طفولتنا مثلاً، فالذاكرة متغيّرة ومعقدة.
نرى ذلك في التجربة التي قام بها عالِما النفس ويليام برور وجيمس تريننز، حيث طلبا من متطوعين أن يجلسوا في مكتب الدراسات العليا لمدة دقيقة واحدة وبعد 30 ثانية نقلوهم إلى غرفة أخرى وطُلب منهم ملء استمارة بما رأوه داخل الغرفة الأولى فتذكر البعض أشياءً كانت موجودة بالفعل، ولكن البعض أضاف أشياءً لم تكن موجودة مثل المكتبة أو الكابينة، التي عادة ما تكون موجودة في المكاتب! لذا حتى لو أجمع أشخاص على سرد حادثة واحدة يظل هناك شك في مصداقيتها ما لم تثبت بدليل ملموس.
وتقول الأبحاث إن 40 في المائة من الأشخاص تخونهم ذاكرتهم ويتحدثون عن أشياء لم تحدث، لذا يسعى العلماء اليوم للتحقق من حقيقة التاريخ وهل كل ما وصل إلينا حقيقي أم تشوبه شائبة بتمثيل ما حدث واختبار مصداقيته باستخدام الحواسيب، وقد نعتقد أن ذلك مستحيل، ولكنه حدث بالفعل!
ونعود إلى آخر ما توصل إليه العلماء في مجال التأثير الفعلي في خلايا الدماغ والتلاعب بها حيث تمكن العالمان ستيف راميز وشو لو من جامعة إم آي تي الأمريكية من زراعة ذاكرة زائفة في مخ فأر عن طريق حقنه بمستشعرات ومفاتيح لها يمكن إثارتها عن طريق التحكم الخارجي بأشعة الليزر ووضعوه في قفص وصعقوه بتيار كهربائي خفيف ما جعله يتجمّد في مكانه وعند نقله إلى قفص آخر تصرّف بشكل عادي ولم يخف إلا عندما سلط عليه الباحثان أشعة الليزر مما ولّد عنده ذاكرة زائفة نشّطت مراكز الخوف عنده رغم أنه ليس القفص نفسه ولم يتعرّض للصعق، وبنجاح هذه التجربة سيتمكن العلماء من الوصول بدقة إلى ذكريات محددة والتعديل عليها للاستفادة منها في علاج الأمراض النفسية أو تحسين الوضع العاطفي والنفسي وحتى ذلك الوقت تمتعوا بذكرياتكم الجميلة حتى لو كانت زائفة.