صناعة النفط المتكاملة

المخططات السعودية الراهنة لمواصلة رفع طاقة المملكة في تكرير النفط، تمثل استراتيجية محورية على هذا الصعيد الحيوي.. فالمراحل التي تلي استخراج النفط الخام، هي التي تضيف القيمة الحقيقية له، سواء في تحويله إلى وقود، أو في فرزه إلى أنواع ودرجات من الوقود. إنها عملية معقدة، وتتطلب فنياً الكثير من الإمكانات، وتطوير صناعة النفط بصورة لا ترفع التكاليف، وفي الوقت نفسه اعتماد الدولة المنتجة على نفسها في عمليات التكرير. وحققت المملكة تقدماً كبيراً في هذا المجال، عن طريق استثمارات متوالية في القطاع النفطي بكل مراحله، في حين لا تزال هناك دول منتجة تخسر الكثير، من عدم تحديث حتى الأدوات الرئيسة لعمليات الإنتاج نفسها، ومن بين هذه الدول، إيران والعراق والجزائر.
الحراك السعودي على صعيد عمليات تكرير النفط، يشمل مشاريع المصافي الثلاث في جازان وينبع والجبيل، وهذه المصافي ستضيف 1.2 مليون برميل يومياً، إلى الإجمالي الحالي للنفط المكرّر في المملكة. وهذا يعني أن الناتج الإجمالي سيصل إلى 3.6 مليون برميل يومياً، مما سيضع السعودية في المرتبة الرابعة عالمياً في هذا المجال، حسب المسؤولين في القطاع النفطي السعودي. الذي يزيد من أهمية هذه الاستثمارات، أنها تتبع النظم المتطورة في عمليات التكرير، التي توفر ناتجاً كاملاً ومتنوعاً من النفط الخام. وهذه المصافي ستدعم بصورة مباشرة قطاع الصناعات التحويلية المحلية، من إنتاجها للبتروكيماويات. إنها عملية متكاملة، من الأفضل أن تتم كلها محلياً، والمملكة بإمكاناتها الذاتية والمالية يمكنها أن تحقق أهدافها في هذا المجال، بل تحتل مكانة عالمية في المقدمة، ليس فقط من حيث إنتاج النفط الخام، بل أيضاً من جهة الإنتاج المتكامل للطاقة.
ويسهم الانفتاح السعودي في هذا المجال الحيوي، في اختصار الزمن، ولا سيما من خلال التعاون مع دول تتمتع بخبرات وقدرات هائلة في صناعة تكرير النفط. وفي مقدمتها الصين التي قطعت أشواطاً واسعة جداً، وأصبحت منذ سنوات محركاً رئيساً في هذه الصناعة. هذا الحال، يؤسِّس بالفعل لشراكات مفيدة بين المملكة والصين، بما يضمن مصالح ومتطالبات الطرفين. وقد بدا هذا واضحاً، في المنتدى السعودي ـــ الصيني لتكرير النفط الذي عقد أخيراً. وقطاع التكرير، كغيره من القطاعات الحيوية التي ترتبط بالطاقة، يخضع إلى معايير التطور والابتكار. والعمل المشترك يتيح تحقيق الأهداف بأفضل صورة ممكنة، خصوصاً في ظل استمرار الطلب على الطاقة التقليدية. ومع وجود استثمارات لا تتوقف على الجانب السعودي، فإنه يمكن للمملكة أن تلعب دوراً أساسياً، في نطاق الإنتاج النفطي وتوابعه.
إن الشراكات السعودية تمثل نقطة الارتكاز في هذه المسألة. والتعاون مع الصين، ينبغي أن يفتح آفاقاً أخرى مع غيرها، على الرغم من أن هذا التعاون يتم بين أكبر منتج وأكبر مستهلك للنفط. فالبحوث العلمية الخاصة بالطاقة واسعة ومتعددة .. ومتغيرة أيضاً. والتقنيات متفاوتة بين جهة وأخرى. ففي الوقت الذي يمكن لتقنية ''مثلاً'' أن تقلل مستوى الكبريت في الوقود، يمكن لأخرى في مكان آخر أن تقلل هذه النسبة أكثر، وهو أمر بات مطلوباً عالمياً، ويتحول شيئاً فشيئاً، إلى أساس للإنتاج النفطي. وفي كل الأحوال، فإن الانفتاح يدفع العجلة إلى الأمام بسرعات عالية.
ستحقق المملكة من خلال تركيزها في المرحلة المقبلة على تنمية المصافي المحلية، وإنشاء أخرى جديدة، وضخ الاستثمارات اللازمة، الكثير من الأهداف، وفي مقدمتها بالطبع تنويع مصادر الدخل، ولا سيما من خلال تصدير المشتقات النفطية. والطلب على هذه المشتقات ليس كبيراً فحسب، بل يرتفع بشكل متواصل، فضلاً عن أن المصافي المحلية الوطنية، ستفي بالطلب المحلي الكامل والمتزايد أيضاً في السعودية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي