التنمية .. مسؤولية محافظي المدن ورؤساء البلديات
شهد العقد الأخير قيام السعودية إطلاق عدد كبير من المشاريع التنموية لم يسبق له مثيل في شتى المناطق، ولا تزال هذه المبادرات التنموية مستمرة بفضل الله. وقد أتت هذه الخطوات لتنسجم مع رؤية اقتصادية سليمة رسمتها الدولة عبر استراتيجياتها وخططها المختلفة واضعةً أمامها هدفا أساسيا هو تنويع القاعدة الاقتصادية في المملكة وخلق فرص عمل للمواطنين. وفي سبيل ذلك، لم تدخر الدولة جهدا في عمل كل ما يلزم ليضطلع القطاع الخاص بالدور الأكبر في تحقيق هذا الهدف. وليس هذا فحسب، بل أدركت الدولة الضرورة القصوى في أن يتحقق هذا الهدف بمشاركة فاعلة من جميع مناطق المملكة؛ وذلك بالتشديد على أهمية التنمية المتوازنة بين المناطق لردم الفجوة التنموية بينها، ولتنال كل منطقة نصيبها من أنشطة القطاعات الاقتصادية المختلفة بما يتناسب مع إمكاناتها وفرصها الاستثمارية. وفي هذا الصدد، ليس من قبيل المبالغة القول إن الدور المأمول من القطاع الصناعي لتحقيق هدف تنويع القاعدة الاقتصادية في المملكة وتعزيز التنمية المتوازنة بين المناطق يحتل الصدارة بين أدوار القطاعات الاقتصادية الأخرى. وقد تجسدت أهمية هذا الدور في كلمة خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - عن الصناعة بأنها ''خيارنا لتنويع مصادر الدخل''.
وفي ظل هذا الدعم الحكومي اللامحدود، فإن الآمال معقودة على القطاع الخاص في أن يكون هو الموظف الأساسي للقوى العاملة السعودية وأن يسهم في تخفيف العبء الواقع على عاتق القطاع العام في توظيف الكفاءات السعودية. ووفقا للإحصاءات الرسمية، فقد نما عدد الموظفين السعوديين في القطاع الخاص خلال الفترة 2005 - 2010 بنسبة 3.2 في المائة، وهو معدل يقل عن توظيف السعوديين في القطاع الحكومي والمقدر بنحو 4.8 في المائة خلال الفترة نفسها. ولا حاجة للإسهاب في أن هذا الواقع لا يخدم مصلحة الاقتصاد الوطني على المدى الطويل، بل ويضعف من فرصه في رفع تنافسيته وإنتاجيته، كما أنه في الدرجة الأولى لا ينسجم مع استراتيجيات الدولة في هذا الشأن.
وإن كان القطاع الخاص يعد نشطا نسبيا في المدن الرئيسة فإنه ليس بالضرورة كذلك في المدن والمحافظات الأقل نموا. وفي هذا الصدد، تبذل الدولة جهودا عظيمة في الحد من هجرة سكان هذه المدن والمحافظات إلى المدن الرئيسة؛ وذلك بتوفير التجهيزات والمرافق والخدمات الأساسية. ليس هذا فحسب، بل تم إطلاق العديد من الحوافز لتحسين المناخ الاستثماري وجذب رؤوس الأموال الوطنية والأجنبية إلى المدن والمحافظات غير النشطة اقتصادياً بهدف دعم الاستثمار في الأنشطة الخدمية والصناعية والزراعية وغيرها وتنميتها واستغلال مزاياها النسبية وزيادة دخول سكانها وتوليد فرص العمل المجزية لهم. واستشعاراً من الدولة لسمو هذا الهدف والمساهمة في جذب الاستثمارات الصناعية إلى المناطق والمدن الأقل نمواً، فقد وافق المقام السامي على منح ميزات متعددة مثل تقديم حوافز تشجيعية للمستثمرين الأجانب تشمل امتيازات ضريبية وحوافز السعودة على المشاريع التي يجري تنفيذها في المناطق والمدن الأقل نمواً مثل خصم 50 في المائة من تكاليف الأجور والتدريب السنوي للعاملين السعوديين، ورفع نسبة قرض صندوق التنمية الصناعية السعودي بما لا يزيد عن 75 في المائة من تكلفة المشروع بدلاً من 50 في المائة في المناطق والمدن الأقل نمواً، وكذلك تمديد فترة سداد القرض بما لا يزيد على 20 سنة بدلاً من 15 سنة، وذلك وفقا لضوابط محددة.
وفي هذا السياق، ومن خلال علاقة الصندوق بالمستثمرين الصناعيين، فقد لمسنا الحاجة إلى مزيد من التفاعل حيال تنمية الأنشطة الاقتصادية وإزالة العقبات أمامها من قبل بعض الأجهزة الحكومية كمحافظات المدن والبلديات والمحاكم في المدن والمحافظات غير النشطة اقتصادياً، وبالأخص لقطاعي الصناعة والخدمات. وكنا متفائلين بأن تولي جميع الأجهزة الحكومية المعنية بالأنشطة الاقتصادية في هذه المدن والمحافظات - بالتنسيق مع إمارات المناطق والمتابعة الجادة معها - الاهتمام بالنشاط الاقتصادي بجميع فروعه وخاصة القطاعين الصناعي والخدمي؛ وذلك بتسهيل إجراءات قيام مثل هذه المشاريع وتقديم الدعم للمستثمرين وتهيئة البنية التحتية لمشاريعهم ومرونة التعامل معهم من حيث توفير الأراضي الملائمة وزيادة فترة عقود إيجارها وتسهيل إجراءات رهن الموجودات والأصول الثابتة لصالح جهات التمويل. إذ إن عدم مرونة محافظي ورؤساء بلديات تلك المناطق مع المستثمرين من شأنه أن يؤدي إلى انتقال المستثمرين إلى المدن الرئيسة، وبالتالي حرمان المحافظات والمدن الأقل نمواً من فرص الاستثمار فيها، بل أصبح من الضروري قيام محافظي المدن غير النشطة اقتصادياً ورؤساء البلديات والمحاكم فيها بالعمل على تحسين المناخ الاستثماري، واستغلال الحوافز الاستثمارية التي خصصتها الدولة لمناطقهم ومدنهم، وإزالة العوائق التي من شأنها حرمان مناطقهم ومدنهم من فرص استثمارية ووظيفية هي في أشد الحاجة إليها وانتقالها من مناطقهم ومدنهم ومحافظاتهم إلى غيرها من المناطق والمدن والمحافظات التي تجاوزت بصورة كبيرة هذه العقبات، مما يتسبب في مزيد من هجرة سكان المدن والمحافظات الأقل نموا إلى المدن الرئيسة.
وكلنا أمل وثقة أن يجد هذا التوجه ترحيباً وتفاعلاً إيجابياً من قبل المسؤولين في المحافظات والمدن غير النشطة اقتصادياً من أجل الإسهام في تنمية الاستثمار فيها، والأخذ بزمام المبادرة ليس فقط بإزالة العوائق أمام جميع الاستثمارات، بل العمل على تحسين المناخ الاستثماري ورفع جاذبيته في مدنهم ومحافظاتهم، وبالأخص إزالة العوائق التي تواجه المستثمرين الصناعيين، وذلك تحقيقاً للتنمية المتوازنة بين المناطق، وارتقاء برفاهية المواطن، وتعزيزاً لنمو وتنافسية الاقتصاد الوطني في شتى المجالات.